في زمن صارت فيه الجغرافيا تستدعى كلما عجز الخطاب السياسي عن تقديم إجابة تبدو عدن وكأنها مطالبة في كل مرة بأن تعتذر عن كونها مدينة لا لأنها أخطأت.. بل لأنها ما زالت تصر على أن تدار بعقل المدينة لا بعقل المناطق المشكلة لم تعد في الاختلاف حول من يدير عدن.. بل في الإطار الذي يراد فرضه على هذا النقاش.. كل مطالبة من أبناء عدن بالمشاركة الفاعلة في إدارة شؤون مدينتهم تختزل فورًا في توصيف واحد مناطقية.. كأن المدينة لا يجوز لها أن تتكلم باسم نفسها و كأن الحق في الشأن المحلي تهمة تحتاج إلى دفاع.
لكن السؤال الذي لا يطرح هو.. لماذا تصبح المطالبة بالمدينة مناطقية بينما تصبح المطالبة بالمنطقة تمثيلًا سياسيًا مشروعًا.. هنا تحديدًا ينكشف الخلل.
عدن في معناها العميق ليست قطعة جغرافيا داخل صراع نفوذ بل فضاء مدني تشكل تاريخيًا على قاعدة التعدد و الانفتاح وتراكم العمل والمؤسسة لا على قاعدة الأصل والانتماء.. ولهذا فإن جوهر الفكرة العدنية لم يكن يومًا من أين أتيت.. بل كيف تعيش هنا وكيف تشارك في صناعة هذه المدينة.. حين تناقش عدن بمنطق الخرائط تسلب منها أهم خصائصها.. أنها مدينة المدينة بطبيعتها لا تدار بوصفها حصة ولا تختزل في معادلة توازنات ولا توزع
أدوارها على أساس الانتماء الجغرافي.. المدينة تدار بمنطق الخدمة العامة ومنطق الكفاءة ومنطق الشراكة المجتمعية..
أما المناطقية فهي النقيض الكامل لهذا المنطق.. هي أن يتحول الأصل إلى بطاقة مرور.. وأن يصبح الانتماء بديلا عن الاستحقاق.. وأن تبنى السلطة على من يمثل منطقته لا على من يخدم مجتمعه.. المفارقة المؤلمة أن أبناء عدن اليوم لا يحاكمون على أفكارهم بل على الصورة التي يراد إلصاقها بهم.. يقدمون باعتبارهم دعاة تعصب.. في الوقت الذي يجري فيه بلا حرج توسيع مفهوم المناطقية في الحياة السياسية وتطبيعه بل وإعادة إنتاجه كصيغة تمثيل وكأداة تفاوض وكوسيلة لإدارة الصراع يضيق مفهوم المدينة ويوسع مفهوم المنطقة.
يقزم مطلب المشاركة المحلية ويضخم منطق الحصص الجغرافية.. وهنا لا يعود الخلاف خلافًا حول عدن فقط بل حول شكل الدولة التي نريد.. فالدولة التي تتعامل مع المدن بوصفها مجرد نقاط على الخريطة ستظل عاجزة عن بناء مواطنة حقيقية لأنها تبدأ من المكان لا من الإنسان.. ومن هذا المنطلق تحديدًا يصبح تمثيل عدن اليوم في مجلس القيادة الرئاسي وفي الحكومة شأنًا عامًا لا مطلبًا فئويًا واستحقاقًا سياسيًا لا مجاملة وضرورة وطنية لا يمكن التنازل عنها أو الالتفاف عليها.
فعدن ليست مدينة هامشية في المعادلة العامة ولا مجرد مساحة إدارية ضمن توزيع النفوذ بل عاصمة سياسية وتاريخية ومركز ثقل إداري واقتصادي ومجتمعي ومن غير المنطقي ولا العادل أن تدار شؤون البلاد العليا دون حضور المدينة التي تمثل قلب الدولة وميدانها المدني الأكثر حساسية.. المطالبة بتمثيل عدن في مجلس القيادة الرئاسي وفي الحكومة لا تطرح اليوم بغرض خلق بؤر نفوذ ولا لتفريخ اصطفافات جديدة ولا لفتح جبهات سياسية إضافية كما سيحاول البعض تصنيفها بل بوصفها حقًا سياسيًا أصيلًا نابعًا من منطق الشراكة الوطنية ومن مبدأ التوازن العادل في صناعة القرار.. فكما جرى الاعتراف بحق بقية المكونات والمناطق في التمثيل في هياكل السلطة العليا فإن من حق عدن وبالقدر نفسه من المشروعية أن تكون حاضرة بصوتها ومصالحها وخبرتها المدنية في دوائر القرار السيادي والتنفيذي.. غياب عدن عن مواقع صناعة القرار العليا لا يضر أبناءها وحدهم بل يضعف قدرة الدولة نفسها على فهم تعقيدات المدينة التي تدار منها المعركة السياسية وتدار فيها ملفات الخدمات والأمن والاقتصاد والعلاقات العامة بصورة يومية.. وحين يطالب أبناء عدن بأن يكون لهم دور أساسي في إدارة مدينتهم وبتمثيل عادل في قمة هرم السلطة فهم لا يطالبون بإقصاء أحد ولا بإغلاق المدينة في وجه الآخرين ولا بإعادة إنتاج حدود اجتماعية.
















