اليمن الذي في خاطري ليس ذاك الذي نراه في نشرات الأخبار، ولا ذاك الذي تختصره صور الدمار والحروب، بل يمنٌ آخر يسكن الذاكرة والوجدان؛ يمن الإنسان قبل أن يكون يمن السياسة، ويمن التاريخ قبل أن يُرهَق بالحاضر.

اليمن الذي في خاطري هو وطنٌ يتّسع للجميع دون سؤالٍ عن المذهب أو المنطقة أو الانتماء. وطنٌ لا يحتاج فيه المواطن إلى تعريف نفسه إلا باسمه، ولا يُفتَّش في هويته إلا عن إنسانيته. فيه يتساوى الناس أمام القانون كما يتساوون أمام الشمس والمطر، لا فضل لسلاحٍ على قلم، ولا لرايةٍ على أخرى إلا بقدر ما تخدم الوطن.

هو يمن الدولة لا يمن الجماعات، يمن المؤسسات لا يمن الأشخاص، يمن النظام لا يمن الفوضى. يمنٌ تُدار فيه الخلافات بالحوار، وتُحلّ فيه الأزمات بالقانون، ويُحاسَب فيه المسيء مهما كان موقعه، ويُكرَّم فيه الصادق مهما كان اسمه.

اليمن الذي في خاطري بلدٌ لا تُختطف فيه المدن، ولا تُستباح فيه القرى، ولا تُباع فيه المواقف في أسواق السياسة. بلدٌ يعود فيه الجندي لحماية الحدود لا لحراسة الفتن، ويعود فيه المعلم ليصنع الوعي لا ليبحث عن راتب، ويعود فيه القاضي ليحكم بالعدل لا بالخوف.

هو يمن التعليم لا يمن الجهل، يمن المستشفى لا يمن المقبرة، يمن المصنع لا يمن المتارس. فيه تُصرف الميزانيات على المدارس بدل البنادق، وعلى الطرقات بدل الخنادق، وعلى المشاريع بدل الشعارات. فيه يُقاس التقدّم بعدد الكتب المطبوعة لا بعدد القبور المفتوحة.

اليمن الذي في خاطري وطنٌ يحترم تنوّعه، ويصون وحدته، ويعرف أن قوته في اختلافه لا في إلغائه، وفي تعدده لا في سحقه. وطنٌ يدرك أن الجنوب ليس خصم الشمال، وأن الشرق ليس غريبًا عن الغرب، وأن الجميع شركاء في الألم كما يجب أن يكونوا شركاء في الأمل.

هو يمن لا تُدار فيه السياسة بروح الثأر، ولا يُبنى فيه المستقبل بعقلية الماضي. يمنٌ تصالح مع ذاته، واعترف بأخطائه، وقرّر أن يبدأ من جديد، لا بروح المنتصر ولا بعقدة المهزوم، بل بعقل الدولة وقلب الوطن.

ذلك هو اليمن الذي في خاطري:

يمن السلام لا يمن الحرب

يمن الحياة لا يمن الموت

يمن العدالة لا يمن الغلبة

يمن الإنسان.. قبل أي شيء آخر.

قد يبدو هذا اليمن اليوم حلمًا بعيدًا، لكنه في الحقيقة أقرب مما نتصوّر، إذا امتلكنا الشجاعة لنريده وطنًا لا غنيمة، ودولة لا ساحة صراع، ومستقبلًا لا ورقة تفاوض.

هذا هو اليمن الذي في خاطري.

وهو يستحق أن يكون في خاطر كل يمني.