> «الأيام» فردوس العلمي:
- القاضية منى صالح.. اجتماع الأمومة والعدالة في رسالة إنسانية
عندما نتحدث عن مكانة المرأة في المجتمع، لا ينبغي أن نقف عند الأسماء اللامعة في وسائل الإعلام فقط، بل علينا أن نبحث عن النساء اللواتي يعملن بصمت ويصنعن الأثر الحقيقي في حياة الناس.
فهناك نماذج نسائية استطاعت أن تجمع بين رسالتها الإنسانية ودورها المهني، لتصبح قدوة في العطاء والتفاني، ومن بين هذه النماذج القاضية منى صالح محمد.

قبل أن تكون قاضية، كانت أمًا تحمل أعظم رسالة، فقد كرّست حياتها لرعاية طفل من ذوي الإعاقة، أصبح اليوم شابًا حقق العديد من الإنجازات، بفضل إرادة الله أولًا، ثم إيمان أمٍ لم تعرف المستحيل، وعملت بصبرٍ ومحبة ليكون له مكان بين أقرانه، وليثبت أن الإعاقة لا تمنع النجاح.
وفي جانبها المجتمعي، أسهمت القاضية منى في إبراز قدرات ذوي الإعاقة من خلال أنشاءها جمعية "أنا وليس أعاقتي" المعنية بإبراز قدرات ومواهب ذوي الاحتياجات الخاصة، في مختلف المجالات الإبداعية فنيًا وثقافيًا ورياضيًا.

كما عملت على تدريبهم وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم وفق القوانين الوطنية والدولية، لتنتقل بهم من مرحلة التأثر إلى مرحلة التأثير في المجتمع.
أما في مسيرتها القضائية، فقد تدرجت في سلك النيابة العامة من مساعد نيابة حتى وصلت إلى درجة محامٍ عام أول بقرار رئاسي، وكانت من المؤسسين لدائرة حقوق المرأة والطفل في مكتب النائب العام. وسجلت حضورًا مميزًا حين شاركت مع النائب العام في تكريم أقدم القاضيات والإداريات في النيابة العامة في 8 مارس 2023، وهي سابقة تُعد الأولى من نوعها.

ولم يقتصر دورها على العمل القضائي، بل امتد إلى الجانب المجتمعي، حيث قامت بتدريب أمهات ذوي الإعاقة على أساليب التعامل مع أبنائهن، وتشجيعهن على رعايتهم وتعليمهم ودمجهم في الحياة، وغرس الثقة في نفوسهم، والدعوة إلى الفخر بهم والإيمان بقدراتهم.
وفي ميدان العدالة، كانت صوتًا للنساء المستضعفات والمهمشات، خاصة السجينات، كما تابعت قضايا الفتيات والأحداث والأطفال الذين تعرضوا للانتهاكات. وكانت من مؤسسي نظام عدالة الأحداث، وعضوًا رئيسيًا في اللجنة الفنية للحد من تجنيد الأطفال منذ عام 2018، وأسهمت مع الجهات المختصة في إخراج اليمن من القائمة السوداء، من خلال النزول الميداني إلى المعسكرات وإنشاء وحدات لحماية الأطفال بما يحقق المصلحة الفضلى لهم.

وتحمل القاضية منى العديد من العضويات، فهي رئيسة الرقابة والتفتيش في نادي القضاة الجنوبي وعضو مؤسس فيه، وعضو في الحوار الوطني الجنوبي، وعضو في لجنة صياغة الميثاق الوطني الجنوبي، وعضو مؤسس في الاتحاد الوطني الجنوبي لذوي الإعاقة، وعضو استشاري في أجندة المرأة والأمن والسلام، وعضو في اللجنة الوطنية للمرأة، وعضو مؤسس في الشبكة الوطنية لسير المرأة نحو العدالة. ومدربة محلية في القانون للأشخاص ذوي الإعاقة ومدربة دولية للسلام.

القاضي منى منحت شهادات دولية عدة منها سفيرة السلام لذوي الهمم، وسفيرة السلام والنوايا الحسنة بالوطن العربي.. والمرأة الاستثنائية الملهمة كونها أمًا ملهمة لكافة الأمهات ذو الاحتياجات الخاصة.
إن القاضية منى صالح محمد تمثل نموذجًا للمرأة التي جمعت بين الأمومة والعدالة والعمل المجتمعي، وقدمت رسالة إنسانية قبل أن تكون مهنية، لتؤكد أن المرأة قادرة على صناعة التغيير حين تؤمن برسالتها وتعمل بإخلاص.

تبقى مثل هذه النماذج المشرّفة شاهدًا على أن النجاح الحقيقي لا يقاس بالمناصب فقط، بل بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. فالقاضية منى صالح محمد ليست مجرد اسم في السلك القضائي، بل قصة عطاءٍ وإنسانية، ورسالة أمل لكل أمٍ ولكل امرأة تسعى لصناعة الفرق في مجتمعها.
















