في اليمن، لم تعد المدرسة حلمًا صغيرًا يركض إليه الأطفال بفرح كما كان يحدث في الماضي. كثير من الأطفال اليوم يذهبون إلى الدراسة بفتور، وبعضهم يذهب فقط لأن الأسرة تُصرّ، لا لأن داخله رغبةً حقيقيةً في التعلم. والأشد وجعًا أن هناك أطفالًا، في بعض البيئات، لم يعودوا يرون فرقًا واضحًا بين الذهاب إلى المدرسة أو الذهاب إلى ميادين القتال، وكأن الطريقين يؤديان إلى «واجب» واحد، بينما الحقيقة أن أحدهما يبني الحياة والآخر يلتهمها.
هذا التحول لا يمكن تفسيره باعتباره كسلًا أو ضعفًا عابرًا، بل هو نتيجة طبيعية لواقعٍ قاسٍ تداخلت فيه الحرب مع الفقر ومع انهيار الخدمات، حتى صار الطفل يعيش ضغطًا يوميًا لا يناسب عمره. الطفل اليمني لا يكره الدراسة بذاتها، لكنه يكره الإهانة واللاجدوى. حين يرى المتعلم عاطلًا، ويشاهد أسرته تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية، يبدأ بسؤالٍ مؤلم: ما فائدة الدراسة إذا كان الجوع حاضرًا؟ وما قيمة الدرجات إذا كان البيت يبحث عن أبسط مقومات العيش؟
ثم تأتي المدرسة نفسها، التي كانت يومًا مساحة أمان، لتصبح في كثير من الحالات مكانًا إضافيًا للضغط: اكتظاظ، ضعف وسائل، غياب بيئة محفزة، وأحيانًا قسوة في التعامل، أو أسلوب تعليم يقوم على الحفظ لا على الفهم. الطفل، حين لا يشعر بالاحترام داخل المدرسة، لا يعود ينظر إليها مكانًا يبني روحه وعقله، بل مكانًا يستهلكه ويطفئ فضوله.
غير أن الأخطر من كل ذلك هو تسلل بعض المناهج التعبوية والخطابات التي تغرس الكراهية والتعصب بدل التفكير. حين تتحول المدرسة من مشروعٍ لبناء العقل إلى مساحة تعبئة، يفقد الطفل شغفه بالتعلم، لا لأنه لا يحب المعرفة، بل لأنه يشعر أن التعليم لم يعد طريقًا للحياة، بل طريقًا لإعادة إنتاج الانقسام. وهنا تختلط صورة «البطل» في ذهنه؛ فيرى السلاح حاضرًا في الشارع، ويرى الضجيج يحيط بالعنف، بينما يرى المدرسة ضعيفة والمعلم بلا تقدير، فيتكوّن في داخله شعورٌ خطير بأن القوة أسرع من العلم، وأن القتال أكثر «جدوى» من الكتاب.
وفي وسط هذا المشهد تقف الأسرة اليمنية، وهي الأكثر دفعًا للثمن. كثير من الأسر تؤمن بالتعليم، لكنها أُنهكت اقتصاديًا ونفسيًا. الأم تقول لطفلها: «ذاكر»، ثم تعجز عن توفير مصروفٍ أو فطورٍ أو دفاتر، والأب يريد لابنه أن يدرس، لكنه يضطر أحيانًا إلى دفعه للعمل لأن البيت يحتاج دخلًا. الأسرة هنا لا تقتل الشغف عمدًا، لكنها تفقد القدرة على حمايته.
ومع ذلك، فإن الأمل ما يزال ممكنًا، لأن استعادة شغف الأطفال لا تحتاج دائمًا إلى قراراتٍ كبيرة بقدر ما تحتاج إلى خطواتٍ بسيطةٍ عميقة تبدأ من البيت. أول هذه الخطوات هو إعادة معنى التعليم داخل الأسرة: ليس بوصفه شهادةً فقط، بل بوصفه قوةً تحمي الطفل من التضليل، وتمنحه حرية التفكير وقدرةً على فهم العالم. ثم يأتي احترام الطفل نفسيًا، لأن الإهانة هي أسرع طريق لقتل الرغبة في التعلم، بينما كلمة تشجيعٍ واحدة قد تفتح داخله بابًا كاملًا للأمل. ومن المهم أيضًا ربط الدراسة بالحياة اليومية، ليشعر الطفل أن المعرفة ليست رفاهية، بل أداة للعيش بكرامة، وأن الكتاب ليس بعيدًا عن الواقع.
كما أن حماية الطفل من خطاب الكراهية تبدأ من البيت قبل المدرسة. حين يتربى الطفل على احترام الإنسان أيًا كان، يصبح أقل قابليةً للتعبئة وأكثر قابليةً للتعلم. ويحتاج الطفل أيضًا إلى قدوةٍ جديدة؛ فإن لم يجد بطله في المعلم والطبيب والمهندس، سيبحث عنه في القوة والسلاح. الأسرة تستطيع أن تعيد تقديم صورة البطل الحقيقي: الإنسان الذي يبني لا الذي يهدم، الذي ينقذ لا الذي يقتل.
في اليمن، لم يعد التعليم مجرد خدمة، بل صار معركةً أخلاقيةً وإنسانية. حين نخسر شغف الطفل بالمدرسة، لا نخسر درجاتٍ فقط، بل نخسر عقله وقدرته على التمييز، ونفتح الباب أمام أن يُستبدل الكتاب بالبندقية. الطفل الذي لا يرى فرقًا بين المدرسة والقتال ليس طفلًا سيئًا، بل طفلٌ خُذل من الحرب والفقر والإهمال، وربما من مناهج أرادت أن تصنع منه تابعًا بدلًا من إنسان، وشوّهت في نظره معاني التنوع المحفزة للتعايش، واستبدلتها بصرخة التكفير.
لكن اليمن ما يزال قادرًا على إنقاذ أطفاله، لأن داخل كل بيت كلمةً يمكن أن تعيد المعنى، وداخل كل أسرة بذرةً يمكن أن تعيد الحياة: العلم طريق النجاة، ليس ترفًا… بل حقٌ ومصير.
ودمتم سالمين
هذا التحول لا يمكن تفسيره باعتباره كسلًا أو ضعفًا عابرًا، بل هو نتيجة طبيعية لواقعٍ قاسٍ تداخلت فيه الحرب مع الفقر ومع انهيار الخدمات، حتى صار الطفل يعيش ضغطًا يوميًا لا يناسب عمره. الطفل اليمني لا يكره الدراسة بذاتها، لكنه يكره الإهانة واللاجدوى. حين يرى المتعلم عاطلًا، ويشاهد أسرته تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية، يبدأ بسؤالٍ مؤلم: ما فائدة الدراسة إذا كان الجوع حاضرًا؟ وما قيمة الدرجات إذا كان البيت يبحث عن أبسط مقومات العيش؟
ثم تأتي المدرسة نفسها، التي كانت يومًا مساحة أمان، لتصبح في كثير من الحالات مكانًا إضافيًا للضغط: اكتظاظ، ضعف وسائل، غياب بيئة محفزة، وأحيانًا قسوة في التعامل، أو أسلوب تعليم يقوم على الحفظ لا على الفهم. الطفل، حين لا يشعر بالاحترام داخل المدرسة، لا يعود ينظر إليها مكانًا يبني روحه وعقله، بل مكانًا يستهلكه ويطفئ فضوله.
غير أن الأخطر من كل ذلك هو تسلل بعض المناهج التعبوية والخطابات التي تغرس الكراهية والتعصب بدل التفكير. حين تتحول المدرسة من مشروعٍ لبناء العقل إلى مساحة تعبئة، يفقد الطفل شغفه بالتعلم، لا لأنه لا يحب المعرفة، بل لأنه يشعر أن التعليم لم يعد طريقًا للحياة، بل طريقًا لإعادة إنتاج الانقسام. وهنا تختلط صورة «البطل» في ذهنه؛ فيرى السلاح حاضرًا في الشارع، ويرى الضجيج يحيط بالعنف، بينما يرى المدرسة ضعيفة والمعلم بلا تقدير، فيتكوّن في داخله شعورٌ خطير بأن القوة أسرع من العلم، وأن القتال أكثر «جدوى» من الكتاب.
وفي وسط هذا المشهد تقف الأسرة اليمنية، وهي الأكثر دفعًا للثمن. كثير من الأسر تؤمن بالتعليم، لكنها أُنهكت اقتصاديًا ونفسيًا. الأم تقول لطفلها: «ذاكر»، ثم تعجز عن توفير مصروفٍ أو فطورٍ أو دفاتر، والأب يريد لابنه أن يدرس، لكنه يضطر أحيانًا إلى دفعه للعمل لأن البيت يحتاج دخلًا. الأسرة هنا لا تقتل الشغف عمدًا، لكنها تفقد القدرة على حمايته.
ومع ذلك، فإن الأمل ما يزال ممكنًا، لأن استعادة شغف الأطفال لا تحتاج دائمًا إلى قراراتٍ كبيرة بقدر ما تحتاج إلى خطواتٍ بسيطةٍ عميقة تبدأ من البيت. أول هذه الخطوات هو إعادة معنى التعليم داخل الأسرة: ليس بوصفه شهادةً فقط، بل بوصفه قوةً تحمي الطفل من التضليل، وتمنحه حرية التفكير وقدرةً على فهم العالم. ثم يأتي احترام الطفل نفسيًا، لأن الإهانة هي أسرع طريق لقتل الرغبة في التعلم، بينما كلمة تشجيعٍ واحدة قد تفتح داخله بابًا كاملًا للأمل. ومن المهم أيضًا ربط الدراسة بالحياة اليومية، ليشعر الطفل أن المعرفة ليست رفاهية، بل أداة للعيش بكرامة، وأن الكتاب ليس بعيدًا عن الواقع.
كما أن حماية الطفل من خطاب الكراهية تبدأ من البيت قبل المدرسة. حين يتربى الطفل على احترام الإنسان أيًا كان، يصبح أقل قابليةً للتعبئة وأكثر قابليةً للتعلم. ويحتاج الطفل أيضًا إلى قدوةٍ جديدة؛ فإن لم يجد بطله في المعلم والطبيب والمهندس، سيبحث عنه في القوة والسلاح. الأسرة تستطيع أن تعيد تقديم صورة البطل الحقيقي: الإنسان الذي يبني لا الذي يهدم، الذي ينقذ لا الذي يقتل.
في اليمن، لم يعد التعليم مجرد خدمة، بل صار معركةً أخلاقيةً وإنسانية. حين نخسر شغف الطفل بالمدرسة، لا نخسر درجاتٍ فقط، بل نخسر عقله وقدرته على التمييز، ونفتح الباب أمام أن يُستبدل الكتاب بالبندقية. الطفل الذي لا يرى فرقًا بين المدرسة والقتال ليس طفلًا سيئًا، بل طفلٌ خُذل من الحرب والفقر والإهمال، وربما من مناهج أرادت أن تصنع منه تابعًا بدلًا من إنسان، وشوّهت في نظره معاني التنوع المحفزة للتعايش، واستبدلتها بصرخة التكفير.
لكن اليمن ما يزال قادرًا على إنقاذ أطفاله، لأن داخل كل بيت كلمةً يمكن أن تعيد المعنى، وداخل كل أسرة بذرةً يمكن أن تعيد الحياة: العلم طريق النجاة، ليس ترفًا… بل حقٌ ومصير.
ودمتم سالمين



















