ميناء عدن ليس مجرد مرفق خدمي أو رصيف بحري، بل هو ركيزة سيادية واقتصادية، وأحد أهم مفاتيح استعادة الدور الإقليمي لعدن وبناء نموذج دولة جنوبية حديثة قادرة على الاندماج الإيجابي في منظومة الاقتصاد العالمي، بحكم موقعه الفريد على خطوط الملاحة الدولية الرابطة بين مضيق باب المندب وخليج عدن وقناة السويس.
وهو ما يجعل من عدن همزة وصل طبيعية بين آسيا وشرق إفريقيا وأوروبا، ومركزًا منطقيًا لسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة العابرة. ويؤكد ذلك أن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في الجغرافيا، بل في غياب الرؤية المؤسسية، وضعف الحوكمة، وتشتت القرار، وتضارب النفوذ. وهو ما يستدعي اليوم مقاربة قانونية وسياسية جديدة تنطلق من إنشاء إطار تشريعي خاص لإدارة الميناء، يقوم على الاستقلال المؤسسي والشفافية والمساءلة، وتحديد الاختصاصات، وربط الإدارة بمؤشرات أداء ومعايير دولية واضحة.
كما يؤكد صراحة أن القيادة التنفيذية العليا وإدارة القرار الاستراتيجي يجب أن تكون بيد كوادر عدنية متخصصة وأخرى مؤهلة، مع فتح المجال لشراكات تشغيل واستثمار وتطوير فني إقليمية ودولية، على أساس عقود تشغيل وإدارة ونقل معرفة، دون أي مساس بالسيادة أو الأرض أو القرار الوطني، وبما ينسجم مع الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية، ومع التوجه العربي والدولي الداعم لاستقرار المنطقة، وتأمين الممرات البحرية، وحماية سلاسل الإمداد العالمية، وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة في الموانئ المحورية.
ويأتي هذا التصور منسجمًا مع منطق الشراكة لا الوصاية، ومع فلسفة التمكين لا الإحلال، ومع متطلبات الأمن الملاحي الإقليمي والدولي في البحر الأحمر وخليج عدن، وبما يحفظ لعدن مكانتها التاريخية ويعيد إدماجها في الاقتصاد العالمي بوصفها مدينة شراكة وسلام وخدمات، لا ساحة صراع ونفوذ.
















