عندما دعا المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد إشهاره، إلى الحوار الجنوبي كنا ممن كان لهم شرف المشاركة في إدارة حوار طويل وصعب نظرًا لكثرت المكونات الجنوبية التي انتشرت في الجنوب كالنار في الهشيم ومع ذلك عمل الفريق الأول للحوار صباحا ومساء على مدى شهرين تقريبا، وقبل أن يثمر هذا الحوار تفجر صراع 2019م الذي أعادنا إلى المربع الأول.

بعد كارثة 2019م تشكل فريق آخر لإدارة حوار جنوبي جديد مكون من مجموعتين إحداهما في الخارج والأخرى في الداخل وكنا نحث الجميع على تلبية الدعوة للحوار بوصفه البديل الحضاري عن الصراع الهمجي، وقلنا حينها أن (حوار سنة أفضل من حرب يوم واحد).

كان الأخوة الذين تم إقصائهم بفعل حرب 2019م يرفضون الحوار قبل أن تعود الأمور إلى ما قبل 2019م لكننا كنا ننكر عليهم ذلك وننتقدهم بقسوة باعتبار ثقافة الحوار وتبادل المصلحة خير من ثقافة الصراع وتبادل الهزائم بل وتوريثها للأجيال القادمة.

ولأن القوة متغيرة، وهذا ما كنا نذكّر به، فقد تغيرت المعادلات اليوم واصبح لزاما علينا أن نذّكر زملاءنا بأن المقياس واحد وان النظرة للواقع واحدة، فما كنا نقوله بالأمس لمن خسروا معركة 2019م نقوله اليوم لمن خسروا معركة 2026م بنفس الصراحة والوضوح.

عندما كانت الحرب مع الحوثي تدور رحاها قلنا إن الأطراف التي تحارب الحوثي لها مصالح متباينة في الأولويات ومتباينة في القوة، وقلنا إن القوة لا تفرض أولوية الوصول للهدف قبل الآخرين، فالشرعية هي صاحبة المصلحة الأولى في هزيمة الحوثي وهي ليست أقوى الأطراف لكن لا يستطيع الأقوياء تجاوز مصلحة هذه الشرعية لإنهاء هي الشعار الأخلاقي للحرب، وإذا كان الطرف الجنوبي اقوى فان هناك اطراف اقوى منه وعلى ذلك فان القوة لا تعني الأولوية في سباق الوصول للهدف بل إن تناغم الأطراف أمر ضروري، لكن البعض لم يقرأ هذا الحقائق جيدا.

نحن اليوم أمام معادلة جديدة تتطلب تقييم ما حدث وتحدد الخطوات القادمة التي يجب أن تستوعب مصالح الأطراف كلها، فالشأن في الشمال والجنوب لم يعد شأنًا محليًّا خالصًا بسبب تقاطع المصالح الأقوى، في الإقليم والعالم، وهذه المصالح ستفرض نفسها بشكل أو بآخر.

نحن في الجنوب نرعى مصالحنا ونحترم مصالح الآخرين وليس هناك من وسيلة متاحة تمكننا من ذلك إلا وحدة الصف الجنوبي ووحدة الصف الجنوبي لا يمكن أن تتحقق من خلال التخوين والتكفير السياسي وثقافة الإقصاء، بل تتحقق وحدة الصف الجنوبي من خلال الحوار الجنوبي الشامل وبظني أن الحوار الجنوبي في الرياض يمثل الفرصة الأقوى نظرا لقوة رعايته، ونخشى أن يؤدي شطط البعض إلى فقدان الصفحة البيضاء الأخيرة ونعود إلى فتح وإحياء الصفحات القديمة المليئة بثقافة الصراع والإقصاء والدخول في (تشرذم وتيه جنوبي جديد).