​لم تعد أزمة الكهرباء في عدن مجرد خلل فني عابر، ولا مشكلة تشغيل موسمية، بل تحولت إلى واقع يومي يعاد إنتاجه كل عام، وتُعاد معه صناعة حلول موازية خارج الدولة، كان أبرزها ما بات يُعرف شعبيًا بـ"كهرباء باك".

في الأصل ظهرت "كهرباء الباك" كحل إسعافي فرضته الحاجة، وسدّ فراغًا مؤلمًا تركته المنظومة العامة حين عجزت عن تلبية الحد الأدنى من حق الناس في خدمة مستقرة. غير أن الخطير في المشهد اليوم ليس وجود هذا الحل، بل تحوله من استثناء إلى قاعدة، ومن معالجة مؤقتة إلى سوق دائم، ومن خدمة اضطرارية إلى نشاط تجاري قائم بذاته بلا تنظيم ولا سقوف أسعار ولا معايير فنية ولا مساءلة. النتيجة أن المواطن لم يعد يواجه أزمة كهرباء واحدة، بل أزمتين في آن واحد: انقطاع الخدمة العامة، وارتفاع كلفة البديل الخاص، فيدفع مرتين ليحصل على مستوى أدنى من حق يفترض أن يكون مكفولًا أصلًا.

الأخطر من ذلك أن "كهرباء باك" أسهمت، من حيث لا يُعلن، في إزاحة جوهر المشكلة عن الطاولة. فبدل أن تكون الكهرباء ملفًا سياديًا عاجلًا في صدارة السياسات العامة، أصبحت معاناة الناس تُمتص عبر حلول جزئية تُخفف الضغط الاجتماعي مؤقتًا، لكنها في العمق تُطيل عمر الاختلال، وتمنح الفشل الإداري غطاءً غير مباشر.

المسألة هنا ليست صراعًا بين قطاع عام وقطاع خاص، ولا رفضًا لمبادرات الأفراد في زمن الأزمات، بل هي سؤال دولة، وسؤال وظيفة سلطة، وسؤال أولويات. لا يمكن القبول بأن يُدار أحد أخطر الملفات الخدمية في المدينة بمنطق السوق المفتوحة فقط، ولا أن تبقى شبكة مولدات الأحياء هي البنية الفعلية للكهرباء، فيما تبقى المنظومة العامة في موقع المتفرج.

"كهرباء الباك" لا يجب أن تُحارب، لكن يجب أن تُعاد إلى حجمها الطبيعي: حل مرحلي محدود ومنظم، خاضع للرقابة، ومرتبط بخطة حكومية واضحة لإنهاء الاعتماد عليه تدريجيًا، لا تكريسه. عدن لا تحتاج مزيدًا من المولدات، عدن تحتاج قرارًا، وتحتاج إدارة ترى في الكهرباء خدمة سيادية تمس كرامة الناس، لا ملفًا مؤجلًا يُرحّل من صيف إلى صيف. فحين يصبح البديل هو الأصل، نكون أمام خلل في الفكرة قبل أن نكون أمام خلل في الشبكة.