​عندما قطع كل من الرئيسين بول كيجاما الرواندي ونيلسون مانديلا الجنوب إفريقي صلة بلديهما بماضيهما الدامي، استطاع كل منهما أن يُدخل بلده إلى المستقبل الملموس، وليس مستقبل الوعود المستهلكة.

ورث كل من الرجلين ماضياً أليماً، لكن كلًّا منهما بدأ بنفسه بمغادرة الماضي بكل ما فيه من مساوئ، فالقطيعة مع الماضي شرط أساس للدخول إلى المستقبل؛ الماضي بشكله الصراعي والإقصائي والانتقامي والتجويعي وأوتاده التي تمنع الانطلاق.

بول كيجاما تخلى عن الثأر لقبيلته وقاد مصالحة تاريخية وصلت إلى الأحياء، ونيلسون مانديلا تناول طعامه مع السجان (الأبيض) الذي كان يتبول على وجهه عندما كان يطلب ماءً ليشرب، وهكذا مثل كل منهما مصدر إلهام لكل من كان يحمل رغبة في الانتقام من أبناء شعبيهما. واسألوا «جوجل» أو الذكاء الاصطناعي عن حال رواندا وجنوب إفريقيا اليوم.

نذكّر بذلك علّنا نفاجأ بقادة إلهام يغادرون بنا آلام وأوجاع الماضي، وليس مجرد (خيالات مآتة) يطويها النسيان بمجرد اختفائها.

عندما تكون موائد سكان معاشق عامرة بما لذ وطاب، وخارج هذه الأسوار أناس جوعى ومحرومون، فنحن لم نغادر الماضي. وحين نرى رواتب دولارية باذخة للحكومة وعفشها الداخلي والخارجي، وفتات ريال يمني لموظفين وجنود لا يشبع جوعًا ولا يستر عريًا ولا يعالج مريضًا، فنحن لم نغادر الماضي.

وحين نكون أمام حكومة يتهربون من مسؤولية قيادة عملية إصلاح حقيقية إلى (تشكيل اللجان) يتسترون خلفها، فنحن لم نغادر الماضي. وحين نرشي الصحافة والصحافيين ليغيروا موجة التطبيل من الوجوه القديمة إلى الوجوه الجديدة، فنحن لم نغادر الماضي. طالما هناك جوعى ومتخمون، ومسلوبي الحقوق وسالبيها، وظالم ومظلوم، فنحن لم نغادر الماضي.

ليس من العدل أن نحمّل دولة الدكتور الزنداني رئيس الحكومة وأعضاء حكومته أوزارًا متوارثة منذ أمد بعيد، لكن ذلك لا يعني أن الجهاز الحكومي بريء من المسؤولية، فهو صانع كثير من الأزمات. فهل آن الأوان أن يظهر لنا بول كيجاما عدني أو نيلسون مانديلا مهري، من غير الوجوه المستهلكة، يغادر بنا الماضي بعد طول انتظار؟.. ما أدرانا.

وختامًا نشكر المملكة العربية السعودية على الدعم السخي والجهد الملموس في تحسن الخدمات وتحسين معيشة بعض شرائح المجتمع، صحيح أنها ليست عامة، لكن شيء أفضل من لا شيء.
وتقبل الله طاعاتنا.