تحركات الفريق محمود أحمد سالم الصبيحي وجهده المتواصل يصبان في الاتجاه الإنقاذي للجنوب وقضيته المركزية، استعادة دولته على أسس واقعية بعيداً عن الشعارات وضجيج الذباب الإلكتروني الذي شبع الناس منه خلال عشرة أعوام عجاف؛ إذ سمعوا جعجعة ولم يروا طحيناً كما يقال.
الصبيحي من المدرسة الواقعية التي تعود جذورها إلى التربية العسكرية المنضبطة في فترة الدولة الجنوبية، ناهيك عن الجماهيرية التي يحظى بها والملازمة له، والآتية من ملاحم بطولية اجترحها الرجل منذ زهرة شبابه، أبرزها تصديه لحرب العدوان على الجنوب عام 1994م، ومعارك التصدي للإرهاب الأسود الذي ضرب الجنوب في أعوام الفوضى غير الخلاقة في 2011م وما بعدها.
ومن موقعه كوزير للدفاع كان في مقدمة من تصدوا للعدوان الحوثي ـ العفاشي عام 2015م. وللذين جبلوا على البطولات من وراء حصون محصنة نقول إن الصبيحي من مدرسة أخرى تنتمي إلى مآثر أولئك الذين يخرجون في مقدمة الصفوف، لا أن يكونوا في المؤخرة ليتسنى لهم الهرب و"تولية الأدبار" أو سرقة الانتصارات.
الصبيحي الوطني النقي لا يستطيع إلا أن يكون في عين العاصفة دائماً، وهو أمر ليس غريباً على أبطال شعبنا في الجنوب إذا أردنا استعراض التاريخ. بل إن المشاهد مشرقة في السجل النضالي للوطن وللأمة العربية أيضاً؛ فوزير الدفاع السوري يوسف بيك العظمة استشهد وهو يتصدى للفرنسيين أثناء تقدمهم من لبنان نحو دمشق في يوليو 1920م عقب معركة ميسلون.
كما استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري "الجنرال الذهبي" وهو على خط التماس الأخير مع العدو الإسرائيلي على الضفة الغربية لقناة السويس في 9 مارس 1969م.
ولا نريد أن نتذكر الأمير أبا فراس الحمداني الذي أُسر وهو ينافح الروم، وقال ما قاله شعراً وهو في محنة السجن راجياً من ابن عمه الأمير سيف الدولة الحمداني أن يفتديه بالمال للخروج من السجن. أما الصبيحي الأسطورة فلم يفعل ولن يفعل ذلك أبداً، وإنما أخرجته من غياهب السجن الحركة الشعبية العارمة في الوطن وتحركاتها عربياً ودولياً، دون أن ننسى جهود الشقيقة سلطنة عُمان وسلطانها طيب الأثر قابوس بن سعيد ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ ثم خلفه السلطان هيثم بن طارق.
لقد وصفت في أحد مقالاتي عن الصبيحي في أسره أنه هو من يحاصر آسريه لما له من شخصية مهيبة ولشعبيته جنوباً وشمالاً.
وذكرت لمن يحاولون بجهالة غمز قناة الصبيحي الكبير والاصطياد في المياه العكرة أن الزعيم الإفريقي البطل نيلسون مانديلا قضى من عمره تسعاً وعشرين سنة في سجون النظام العنصري سيئ السمعة والصيت، ثم خرج من السجن رئيساً لجمهورية جنوب إفريقيا الفتية.
كل هذه التداعيات تمر سريعاً ونحن نشاهد بأم العين جهود الصبيحي المضنية لإعادة تطبيع الأوضاع في عدن والمحافظات المحررة، واصلاً نهاره بالليل وعلى حساب راحته الشخصية، لكي نخرج فعلاً من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار، ومن وضع اللادولة إلى وضع الدولة، جنباً إلى جنب مع كل المخلصين من أبناء شعبنا.
هو يعمل بعيداً عن عقدة الزعامة والهالات الإعلامية التي جربناها منذ الحكم العفاشي من المجسمات والصور الضخمة والمقولات التي يكتبها بعض الكتبة الذين لا يتوانون لاحقاً عن الهروب وتبديل الشرائح عند أول منعطف كما شهدناه مؤخراً.



















