في المدن التي تسعى إلى الاستقرار والنمو المنظم لا يُنظر إلى السكن بوصفه مجرد مسألة عمرانية أو خدمية بل باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاجتماعي والتنمية الحضرية. ومن هذا المنطلق.. فإن واقع قطاع الإسكان في عدن اليوم يستدعي وقفة جادة و مسؤولة لإعادة النظر في طريقة إدارة هذا الملف الحيوي..
لقد شهدت عدن خلال السنوات الماضية توسعًا عمرانيًا متسارعًا لكنه في كثير من الأحيان جاء خارج إطار التخطيط الحضري المنظم ورافقته ظواهر متعددة أبرزها ارتفاع أسعار الأراضي و العقارات بشكل غير مسبوق و تراجع فرص حصول فئات واسعة من المجتمع على السكن المناسب، إلى جانب انتشار المضاربات العقارية التي أضعفت من قدرة السوق على توفير حلول سكنية عادلة و مستدامة..
إن استمرار إدارة قطاع الإسكان ضمن الأطر التقليدية الضيقة لم يعد كافيًا للتعامل مع هذه التحديات المتراكمة.. فعدن بما تمثله من مركز حضري و اقتصادي مهم تحتاج إلى سياسة إسكانية واضحة المعالم تقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى تربط بين التخطيط العمراني والتنمية السكانية والاقتصادية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحداث تحول مؤسسي حقيقي يتمثل في إنشاء وزارة للإسكان الاجتماعي تتولى إدارة هذا القطاع وفق منظور حديث يوازن بين متطلبات التنمية العمرانية و البعد الاجتماعي للسكن.. إن فكرة إنشاء وزارة متخصصة بالإسكان الاجتماعي لا تعني مجرد إضافة كيان إداري جديد بل تعني تأسيس مؤسسة قادرة على وضع سياسات إسكانية شاملة وتنظيم سوق الأراضي والعقارات وتوجيه مشاريع الإسكان بما يخدم احتياجات المجتمع ويحد من الفوضى العمرانية..
كما أن نجاح هذه الرؤية يتطلب فتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا استثماريًا حقيقيًا في تطوير مشاريع الإسكان من خلال شراكات واضحة تقوم على الاستثمار طويل الأمد في بناء مجمعات سكنية منظمة بدلًا من ترك السوق رهينة للمضاربات العقارية غير المنظمة.. غير أن هذه الشراكة لا يمكن أن تنجح دون وجود ضوابط قانونية وإجرائية محكمة تنظم عمليات الاستثمار العقاري وتحمي الأراضي العامة من العبث أو الاستغلال غير المشروع وتضمن تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية للمستثمرين والبعد الاجتماعي لمشاريع الإسكان..
وفي هذا السياق فإن من أهم أولويات أي سياسة إسكانية حديثة إطلاق مشاريع الإسكان الاجتماعي التي تستهدف الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل بحيث يصبح الحصول على السكن الممكن واللائق هدفًا قابلًا للتحقق لشريحة واسعة من المجتمع.. كما ينبغي أن ترتبط هذه السياسة بعملية تنظيم التوسع العمراني وضبط إيقاع النمو السكاني في المدينة بما يحفظ التوازن الحضري والاجتماعي لعدن ويمنع تشكل أنماط عمرانية عشوائية قد تتحول مع الوقت إلى أعباء تنموية واقتصادية على المدينة..
إن الحديث عن تطوير قطاع الإسكان في عدن ليس تعويضا ماديا ولا مطلبًا إداريًا عابرًا بل هو ضرورة تفرضها التحولات التي تشهدها المدينة وتفرضها كذلك الحاجة إلى حماية مستقبلها العمراني والاجتماعي.. فعدن بتاريخها ومكانتها ودورها الحضري تستحق سياسة إسكانية حديثة تعيد تنظيم العلاقة بين الأرض والسكن والاستثمار وتضع هذا القطاع الحيوي في مساره الصحيح.. ولهذا يبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح.. متى تبدأ الخطوة الجادة نحو إنشاء وزارة للإسكان الاجتماعي في عدن تقود هذا التحول الذي باتت المدينة في أمسّ الحاجة إليه؟



















