> «الأيام» الحل نت:

في وقت لا تزال فيه نيران الصراعات الداخلية في اليمن مشتعلة، يبرز تطور جديد وشديد الخطورة مع إعلان جماعة “الحوثي” الموالية لطهران انخراطها المباشر في الصراع الإقليمي الراهن، مما يضيف تعقيدًا سياسيًّا وعسكريًّا للمشهد اليمني المتآكل داخليًّا وخارجيًّا.

وفي ظل استمرار الحرب الإقليمية الجارية وتداخل مساراتها في المنطقة، يبدو أن جماعة “الحوثي” ستجر اليمن لما يُسمى بـ”حرب الإسناد” ضمن ما يُسمى “محور المقاومة”، على غرار ما فعله “حزب الله” في لبنان. هذا الانخراط يضع البلاد أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة وعلى جميع المستويات، مع الخسائر الكبرى التي ستتكبدها الجماعة كما حدث مع يحدث مع “حزب الله”، ما يعني أن اليمن، الذي يعاني أصلًا من أزمات جمّة، سيواجه كلفة سياسية وإنسانية واقتصادية كبيرة.

وتعقيبًا على ذلك، يرى صالح أبو عوذل، رئيس مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، في حديثه مع موقع "الحل نت"، قائلًا: "يبدو أن تصريحات المبعوث الأممي، الأخيرة بشأن الانخراط (الحوثي) في الحرب الإيرانية - الأميركية الإسرائيلية، جاءت متأخرة وفي توقيت غير مناسب، بعد أن فقد القدرة على التأثير في الأطراف اليمنية. فبالنسبة (للحوثيين)، لم يعد الملف اليمني ملفًا معزولًا".

وأردف المحلل السياسي صالح أبو عوذل أن "الحوثيين" يتبنون علنًا استراتيجية "وحدة الساحات" ضمن ما يسمى بـ”محور المقاومة". ومن وجهة نظرهم، الانخراط في العمليات العسكرية المرتبطة بغزة أو التنسيق مع إيران ليس "تدخلًا في حرب خارجية"، بل هو جزء من هوية الحركة الحالية ومصدر شرعيتها الشعبية الجديد الذي يتجاوز الحدود اليمنية، مما يعني أن الجماعة لن تصغي لتحذيرات جروندبرج، رغم التداعيات السلبية الجسيمة التي قد تترتب على اليمن واليمنيين.



فخ "وحدة الساحات"


يتجاهل الحوثيون في تصعيدهم الراهن “التجربة اللبنانية” القاسية، حيث أدى انخراط “حزب الله” في المواجهة مع إسرائيل إلى تآكل الركائز السيادية للدولة، بدءًا بانهيار المنظومة الأمنية وصولًا إلى التدهور الاقتصادي ودمار البنية التحتية، وهي نتائج يبدو أن الجماعة في اليمن لم تضعها في حسبانها بعد. فالانخراط في الحرب، من وجهة نظر جماعة “الحوثي”، ليس “خيارًا” مبنيًّا على حسابات الربح والخسارة، بل هو التزام عقدي وسياسي بمبدأ “وحدة الساحات”. فهم يعتقدون أن سقوط أي طرف في المحور هو إضعاف لهم في المستقبل، وبالتالي يرون في التصعيد استباقًا لتهديدات قد تطالهم لاحقًا.

وفي هذا الصدد، يرى الكاتب سلمان المقرمي، أن "الجماعة (الحوثية)، مثل (حزب الله)، تتصرف بناءً على قرارات إيرانية وليس بناءً على خياراتها الذاتية، وبالتالي مهما كانت الأضرار المحلية، فإنها تنفذ رغبات إيرانية بما يخدم مبدأ وحدة الساحات من وجهة نظرها".

من جانبه، يؤكد أبو عوذل أن "قرار الانخراط في التصعيد لم يعد مرتهنًا بالكامل للداخل اليمني، بل أصبح قرارًا عابرًا للحدود، يتقاطع عضويًّا مع استراتيجيات (الحرس الثوري) الإيراني. فالتأثير الإيراني الواضح على المسار العسكري للجماعة جعلها رقمًا أساسيًّا ضمن شبكة تحالفات إقليمية واسعة، مما يحول تحركاتها إلى صدى لحسابات القوى في طهران أكثر من كونه استجابة لضرورات محلية".

ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع نحو التصعيد الإقليمي يحمل في داخله مخاطر كبيرة قد تعصف بالمكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها الجماعة طيلة العقد الماضي. وهنا تبرز تجربة حزب الله في لبنان كدرس قاسٍ ونموذج للمقارنة، حيث أدى الانخراط المفرط في الصراعات الإقليمية إلى استنزاف بشري وعسكري من فقدان كوادر قيادية وعناصر مدربة في حروب استنزاف طويلة.

إلى جانب "عزلة وانهيار اقتصادي، حيث دفع (حزب الله) ببيئته الحاضنة وبالدولة اللبنانية نحو أزمات اقتصادية طاحنة”، فضلًا عن “تآكل الرصيد السياسي، من حيث تراجع القدرة على المناورة الداخلية والوقوع تحت طائلة الضغوط الدولية المباشرة".

مخاطر الانخراط في الحرب

إن انخراط الحوثيين في صراع إقليمي إلى جانب إيران في عام 2026 يحمل مخاطر جسيمة تتجاوز مجرد التصعيد العسكري التقليدي، حيث يضع الجماعة واليمن أمام حافة الانهيار الشامل.

ويؤكد أبو عوذل أن "الانخراط في حرب إيرانية قد ينهي رسميًّا جهود هانس جروندبرج ويغلق ملف المفاوضات السياسية، مما يعني العودة إلى مربع الحرب الأهلية الشاملة.

كما أن هذا الانخراط يضع اليمن أمام مألات كارثية تبدأ بخنق الاقتصاد نتيجة التصعيد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما يترتب عليه من ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي ينعكس في قفزات كبيرة في أسعار الغذاء والدواء، ونقص حاد في إمدادات الوقود، مما يؤدي إلى ضعف حركة النقل والإنتاج المحلي".

وأضاف أن "التصعيد في البحر الأحمر قد يؤدي إلى إلغاء تفاهمات (مثل تفاهم مايو 2025) التي كانت توفر نوعًا من الاستقرار النسبي في حركة الملاحة مع الإدارة الأميركية. كما أن هذا الانخراط يحول صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة (الحوثية) إلى أهداف مشروعة لضربات انتقامية دولية، تهدد ما تبقى من بنية تحتية متهالكة كالمطارات والموانئ ومحطات الكهرباء".

ومن الناحية الإنسانية، سيؤثر الانخراط في الحرب على المساعدات الإنسانية، فمع شلل العمليات الإغاثية نتيجة التوترات الأمنية، سيواجه نحو 23.1 مليون يمني خطر المجاعة في عام 2026، أي ما يقارب 65.4 % من السكان، وسيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية منقذة للحياة لتلبية احتياجاتهم الأساسية وضمان سلامتهم.

وعليه، سيتحول قرار الدخول في الحرب الإيرانية إلى سبب مباشر يهدد حياة الملايين في اليمن. ولهذا يتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يتصاعد الخوف، وتتزايد الضغوط المعيشية والاقتصادية، وتبقى السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة.