أخر تحديث للموقع
الخميس, 20 أغسطس 2026 - 12:40 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • مصافي عدن تصرخ من التجاهل والإهمال

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    لم تعد مصافي عدن مجرد منشأة صناعية متوقفة عن العمل، بل أصبحت عنوانًا صارخًا لقصة طويلة من الإهمال والتجاهل، وكأن هذه المنشأة التي كانت يومًا قلب عدن الصناعي والاقتصادي قد خرجت من حسابات الدولة، ولم يعد أحد يتذكر أنها كانت واحدة من أهم ركائز الاقتصاد في الجنوب.

    قبل سنوات، كان اسم مصافي عدن حاضرًا في كل حديث عن الاقتصاد والطاقة والمشتقات النفطية، وكانت المصفاة تمثل قيمة استراتيجية لا يمكن تجاوزها. أما اليوم فقد أصبح الحديث عنها نادرًا، حتى كادت تدخل قاموس النسيان، وكأن توقفها أصبح أمرًا طبيعيًا لا يستحق السؤال.

    المفارقة المؤلمة أن الجنوب يمتلك النفط، وشبوة وحضرموت تزخران بالثروة النفطية، وعدن تمتلك الميناء والموقع والخبرة والمنشأة التاريخية، ومع ذلك تستورد المشتقات النفطية، وتدفع أموالاً طائلة ثمناً لمنتجات كان يمكن إنتاج جانب كبير منها في عدن نفسها.

    فما الذي حدث؟

    كيف تحولت مصفاة بهذا الحجم والتاريخ إلى منشأة تنتظر التمويل والكهرباء والصيانة والقرار؟ وكيف أصبح إعادة تشغيلها مشروعاً مؤجلاً عاماً بعد عام، بينما تستنزف ملايين الدولارات في استيراد الوقود؟

    المشكلة لم تعد في المصفاة وحدها، وإنما في غياب القرار السياسي الذي يضعها في المكان الذي تستحقه. فالمصفاة ليست مجرد أنابيب وخزانات ومعدات، وإنما منظومة اقتصادية كاملة يمكن أن توفر آلاف فرص العمل، وتخلق دخلاً للدولة، وتدعم قطاع الكهرباء، وتخفف فاتورة الاستيراد، وتعيد لعدن دورها كمدينة صناعية وتجارية محورية.

    الأكثر إيلامًا أن استمرار التوقف لسنوات لا يعني بقاء المصفاة كما هي؛ فالمنشآت النفطية تحتاج إلى صيانة مستمرة، وكل سنة تمر من دون تشغيل وتأهيل حقيقي ترفع كلفة العودة إلى الإنتاج، حتى يأتي يوم تصبح فيه عملية الإنقاذ أكثر صعوبة وكلفة.

    ولهذا فإن السؤال لم يعد: متى ستعود مصافي عدن إلى العمل؟

    السؤال الحقيقي هو: هل توجد إرادة سياسية أصلاً لإعادتها؟

    إذا كانت هناك إرادة، فالمطلوب ليس مؤتمرات وتصريحات ووعودًا جديدة، وإنما خطة واضحة ومعلنة، تبدأ بإعادة تأهيل المصفاة، وتوفير الطاقة اللازمة للتشغيل، وضمان الخام، وتأمين التمويل، ووضع جدول زمني ملزم يعرفه الناس. أما أن تبقى المصفاة مغلقة، والجنوب ينتج النفط، وعدن تستورد الوقود، فهذا اختلال لا يمكن تبريره.

    مصافي عدن كانت يومًا رمزًا لقدرة الجنوب على بناء اقتصاد صناعي حديث، واليوم تحولت إلى شاهد على سنوات من التعطيل والإهمال. وبين الأمس واليوم ضاعت فرص اقتصادية هائلة، وتراكمت الخسائر، وبقي المواطن يدفع الثمن في الكهرباء والوقود والأسعار.

    عدن لا تحتاج إلى من يرثي مصفاتها، بل إلى من يعيد تشغيلها. والجنوب لا يحتاج إلى المزيد من الوعود حول التنمية، بل يحتاج إلى استعادة مؤسساته الاقتصادية التي كانت قادرة على إنتاج الثروة وإدارة الموارد.

    مصافي عدن لم تذهب مع الريح بعد، لكنها تقترب من ذلك إذا استمر الصمت. ومن يريد أن يتحدث عن إنقاذ الاقتصاد، فليبدأ من المصفاة. ومن يريد أن يتحدث عن تنمية عدن، فليضع مصافيها في مقدمة المشروع.

    ومن يريد أن يتحدث عن ثروات الجنوب، فليجب أولاً عن سؤال بسيط: لماذا يُستخرج النفط من الجنوب، مثم تعود مشتقاته إليه بأسعار مصافي عدن .. تصرخ من التجاهل والإهمال مرتفعة، بينما تقف مصافي عدن صامتة على شاطئ البحر؟ هذا السؤال سيظل قائمًا، مهما طال الصمت.

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال