​في الحروب الحديثة، لم تعد الرصاصة هي البداية، بل النهاية. البداية الحقيقية غالباً ما تكون كلمة… تُقال في توقيت محسوب، وتُصاغ بعناية، وتُلقى في فضاءٍ مهيأ لاستقبالها. وقبل أن يسقط الإنسان جسداً، تُسقط صورته في أذهان الآخرين. هذا الترتيب ليس عفوياً، بل هو جزء من هندسة العدوان حين يسعى لأن يبدو مبرراً، أو على الأقل غير مُدان.

حين تقف الأنظمة السياسية وحتى (الإنسان) على حافة الاعتداء على الغير، وتجد أن الضمير يعيق خطاها، تبدو أمام خيارين واضحين: إما أن تتراجع، أو أن تتخلى عن ضميرها. لكن في الواقع، ثمة خيار ثالث أكثر خبثاً وأسهل تطبيقاً: أن تعيد تعريف ضحاياها، فتقنع نفسها والآخرين أن من أمامهم لا يستحقون هذا الضمير أصلاً. وهنا، تبدأ الحرب الحقيقية… حرب الوصف.

تُنسج القصة الأولى بعناية، وقد تكون حادثة حقيقية أُخرجت من سياقها، أو رواية مصنوعة بإتقان. تُضخ في فضاء مشحون، وتُعاد مراراً في توقيتات مدروسة. ومع كل إعادة، يضيف راوٍ جديد تفصيلاً أكثر قتامة، أو ظلاً أشد إدانة. شيئاً فشيئاً، تتحول الحادثة إلى نمط، والنمط إلى طبيعة، والطبيعة إلى هوية. وعندما تترسخ الهوية، يصبح الحكم عليها جاهزاً، لا يقبل نقاشاً ولا مراجعة.

في هذه المرحلة، لا يعود المتلقي يتعامل مع خبر، بل مع يقين. يقينٍ لم يتشكل من تحقق أو تمحيص، بل من تكرارٍ مدروس وصياغةٍ نفسية تُغلق أبواب الشك.

هذا النمط من الحروب لا يستهدف الفعل بقدر ما يستهدف الصورة. وهو ما يتجلى بوضوح في الطريقة التي يُقدَّم بها الإنسان الجنوبي اليوم. لا تُطرح قضيته في إطار سياسي قابل للأخذ والرد، بل يُدفع إلى ساحة المشاعر، حيث تُسبق الأحكامُ الأدلةَ، وتُغلق منافذ التعاطف قبل أن تُفتح.

تُستحضر قصص قديمة من أرشيف النسيان، ويُعاد إحياؤها في اللحظة التي تخدم السردية. تُعاد صياغة الروايات كما تُعاد معايرة الأسلحة، لتُصوَّب نحو هدف واحد: تشكيل صورة ذهنية تجعل المتلقي مستعداً لتقبل ما قد يُرتكب لاحقاً، لا لأنه مقتنع بصحته، بل لأنه أُعد نفسياً لتصديقه.

وهنا يكمن جوهر الإثم، لا في الخلاف السياسي، فهو من طبيعة البشر، ولا في التنافس، فهو سنة من سنن الحياة. الإثم الحقيقي يتجلى حين يُجرَّد الإنسان من إنسانيته ليُصبح هدفاً مشروعاً. حين تتحول الكلمة، التي وُجدت للتفاهم، إلى أداة للهدم، وحين تُنتج الكراهية بالجملة وتُوزَّع على جمهورٍ لا يعرف ولا يسأل.

غير أن التاريخ، رغم بطئه، لا ينسى. ذاكرته أطول من أعمار السرديات الزائفة، وهو يسجل أن كل من بدأ عدوانه منذ 1994م بتشويه صورة الانسان الجنوبي، انتهى يوماً أسيراً للصورة ذاتها. لأن الآلة التي تُنتج الكراهية لا تعترف بولاء دائم، وحين تجوع، تلتهم صُنّاعها قبل غيرهم.

في مواجهة ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتاً أن صورة الإنسان الجنوبي لا يرسمها خصمه، بل أفعاله. وأن الشعب الجنوبي الذي يعرف ذاته، لا تهزه العواصف الإعلامية مهما اشتدت. فالأكاذيب، مهما ارتفعت، تظل بناءً بلا أساس… وكل بناء بلا أساس، مصيره السقوط.