> عبدالقادر باراس:

في الذكرى الـ 107 لميلاد عميد"الأيام" المغفور له بإذن الله محمد علي باشراحيل (1919–1993م) الذي يصادف اليوم، تتجدد هذه المناسبة بوصفها فرصةً لاستعادة ملامح مشروعه الفكري والسياسي، ذلك المشروع الذي تبلور عبر كتاباته الصحفية، وشكّل بدوره مرجعًا مهمًا لفهم طبيعة الصراع حول الهوية وشكل النظام السياسي في عدن خلال خمسينيات القرن الماضي. ويكتسب هذا المشروع الفكري والسياسي أهميته من كونه يوثق لمرحلة مفصلية كانت فيها عدن مسرحًا لنقاشات حادة حول الانتماء الوطني ومستقبل الكيان السياسي في ظل الحكم الاستعماري البريطاني.

في خضم تلك التحولات، برز باشراحيل بوصفه أحد الأصوات التي تبنّت رؤية وطنية واضحة، رافضا فكرة الحكم الذاتي المنفصل لعدن، ومؤكدا على ضرورة قيام نظام سياسي متماسك يربط بين شكل الحكم وهوية المجتمع مستندًا إلى السيادة القومية والانتماء الوطني.

وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح في كتاباته، ومنها إجاباته ضمن زاوية"يسألونك" المنشورة في"الأيام" أواخر عام 1958م، حيث فضل أن يكون الحكم وطنيًّا لعدن ومحمياتها الشرقية والغربية على أساس السيادة القومية.

احتلت قضية الهجرة إلى عدن موقعًا محوريًّا في خطاب باشراحيل، إذ تناول تداعيات تدفق المهاجرين في أواخر الخمسينات، محللًا أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولم يقتصر طرحه على توصيف الظاهرة، بل سعى إلى تفكيك أسبابها، في ظل تصاعد احتجاجات السكان المحليين، مطالبًا الحكومة بضرورة وضع تعريف واضح لمفهوم "العدني".

وشدد على أن أي تعريف لا يستند إلى حقيقة عروبة عدن يظل فاقدًا لجوهره، داعيًا في الوقت ذاته إلى تأسيس مكتب للتوظيف تضمن أولوية أبناء البلد في الحصول على فرص التوظيف والمناصب والمراكز في وطنهم وتربتهم.

وفي إطار تأكيده على مركزية الهوية، وجّه باشراحيل نقدًا واضحًا للاتجاهات التي سعت إلى تقديم تعريف فضفاض للعدني يتجاوز البعد القومي، معتبرًا أن تجاهل عروبة عدن يندرج ضمن محاولات تمييع الهوية.

وأعاد التأكيد في أكثر من مناسبة، على ضرورة اعتماد تعريف يستند إلى الانتماء العربي، مشيرًا إلى مذكرة سابقة تقدم بها بصفته عضوًا في لجنة "التعدين"،اقترح فيها محددات واضحة في تعريفه من هو العدني "هو العربي الذي ولد في عدن أو العربي الذي ولد في محميات عدن وأقام في عدن لمدة ثلاث سنوات أو الشخص الذي ولد في عدن من أب ولد أيضا في عدن وأقام في عدن لمدة لا تقل عن عشر سنوات ويشترط أن يكون قادرًا على قراءة اللغة العربية وكتابتها".

وتتبلور ملامح هذا التصور بشكل أكثر تفصيلًا في مذكرته المقدمة أواخر عام 1959م، حيث ربط بين تعريف "العدني" وحماية الحقوق السياسية والاقتصادية، وعلى رأسها الحق في التوظيف.

ورفض باشراحيل المقاربات الإدارية الضيقة، معتبرًا أنها تغفل البعد السياسي للقضية، مؤكدًا أن تعريف الهوية لا ينفصل عن سياق الصراع على الموارد والفرص.

وفي هذا الإطار قدّم تصورًا يقوم على اشتراط العروبة إلى جانب معايير المولد أو الإقامة، مقرونةً بالقدرة على استخدام اللغة العربية بوصفها ركائز أساسية للانتماء.

كما وسع باشراحيل معالجته للقضية عبر استحضار بعدها التاريخي، متناولًا التحولات التي شهدتها عدن منذ خضوعها للاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من تحوّلها إلى مركز جذب للهجرة.

وأشار إلى أن هذا الواقع أفرز تركيبة سكانية معقدة، حيث اندمجت بعض الفئات في النسيج المحلي، فيما ظل البعض الآخر محتفظًا بارتباطاته الخارجية، الأمر الذي زاد من تعقيد مسألة تعريف "العدني".

ومن هنا، اعتبر أن إدراج صفة "العروبة" في التعريف يمثل أداة ضرورية للحفاظ على الهوية في مواجهة سياسات استعمارية لم تشترط الاندماج الثقافي أو اللغوي.

وفي تحليله لتداعيات هذا الجدل، قدّم باشراحيل قراءة تحذيرية من مخاطر تجاهل البعد السياسي في تعريف "العدني"، مؤكّدًا صعوبة الفصل بين هذا التعريف وقضايا التوظيف والحقوق. وقد عرض رؤيته في مقالٍ نُشر في العدد (426) بعنوان "حتى لا نكون سنغافورة ثانية"، حيث أجرى مقارنة بين عدن وسنغافورة بوصفهما ميناءين عالميين خاضعين للحكم البريطاني آنذاك.

وأشار إلى أن تدفّق الهجرة إلى سنغافورة في ظل غياب تعريف واضح للسكان، أسهم في اختلال التوازن الديمغرافي وتراجع حضور السكان الأصليين.

ومن خلال هذه المقارنة، سعى إلى إبراز خصوصية وضع عدن، بوصفها مدينة محدودة المساحة وعالية الكثافة السكانية، ما يجعلها أكثر عرضة لمخاطر مماثلة في ظل استمرار السياسات القائمة.

وانطلاقًا من هذا الطرح، شدد باشراحيل على أن معالجة قضية الهجرة وتعريف "العدني" تتطلب وعيًا سياسيًّا يتجاوز الحلول الإجرائية، مؤكدًا أن إدراج البعد القومي في التعريف يمثل ضرورة لضمان حماية الهوية العربية وصون الحقوق. واعتبر أن غياب هذا الوعي من شأنه أن يفضي إلى نتائج تمس البنية الاجتماعية والسياسية للمدينة على المدى البعيد.

وفي امتداد لهذا الموقف، تناول باشراحيل بالنقد مداولات المجلس التشريعي في مطلع عام 1960م، معتبرًا أن التعريف الذي تم إقراره للعدني يعكس تناقضًا بين الخطاب والممارسة، لا سيما بعد استبعاد صفة "العروبة" من النص المعتمد.

وأكد في مقاله "العروبة قول وعمل يا سادة" أن الانتماء القومي لا ينبغي أن يبقى في إطار الشعارات، بل يجب أن يترجم إلى نصوص قانونية واضحة تعكس حقيقة الهوية. كما حذر من التداعيات المحتملة لاعتماد تعريف لا يستند إلى البعد القومي، معتبرًا أنه يفتح المجال لإعادة تشكيل الهوية على أسس لا تعكس الواقع التاريخي والثقافي للمدينة. وفي المقابل، قدّم تصورًا بديلًا يقوم على اشتراط العروبة إلى جانب معايير المولد والإقامة، بوصفه الضمانة الأساسية للحفاظ على هوية عدن وحقوق أبنائها.

وتفضي هذه الرؤية، في خلاصتها، إلى تأكيد حاسم بأن قضية تعريف"العدني" لم تكن في جوهرها مسألة إجرائية أو إدارية عابرة، بل مثّلت تعبيرًا مكثفًا عن صراع أعمق يتصل بالهوية والسيادة وتوزيع الحقوق. فقد أدرك باشراحيل مبكرًا أن أي تعريف لا يستند إلى بعده القومي محكوم عليه بأن يصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي على نحو يهدد موقع أبناء البلد في وطنهم.

ومن هذا المنطلق تحوّلت كتابات الراحل محمد علي باشراحيل، إلى ما يشبه المرافعة الفكرية المستمرة دفاعًا عن عروبة عدن، ليس بوصفها شعارًا رمزيًّا، بل كإطار ناظم للحقوق والسياسات العامة. وعليه، فإن الجدل الذي خاضه في تعريفه للعدني يتجاوز زمنه التاريخي، ليعكس واحدة من أبرز إشكاليات المرحلة، وبذلك يغدو طرحه جزءًا من سياق أوسع لصراع الإرادات حول مستقبل عدن، حيث لم يكن السؤال"من هو العدني؟" سؤالًا لغويًّا أو قانونيًّا فحسب، بل كان سؤالًا سياسيًّا بامتياز، تتحدد على أساسه ملامح الانتماء وحدود الحقوق ومعنى السيادة.