الأربعاء, 19 أغسطس 2026
73
ترى هل قادت الصدفة، أم الحاجة، أم الضرورة، إلى بزوغ فجر شعلة اتفاق مكة بين الدول الموقعة على الاتفاق؟ هل كان توقيع الاتفاق مستوعبًا لما بعد السياسة من نتائج، أم أن السياسة، بمعناها الواسع والشامل، قد حسبت له ألف حساب؟ حسابات تُبنى على ما لدى كل دولة من دول الحلف من عناصر القوة، تُحسب وتُقرأ بعيون فاحصة لكل معروف وغير معروف في ميدان السياسة.
إذ من المعروف أن مندرجات السياسة ليست كتابًا مفتوحًا، ولا نهجًا يعتمد على أضغاث أحلام ولا تمنيات بلهاء؛ إذ السياسة حسابات دقيقة، ومعايير صارمة، تُقيَّم نتائجها وفقًا لما لدى كل الأطراف من قوة تأثير تعكسها قدرات مادية حقيقية، تعكس قدراتها وتأثيرها الفعلي على مجريات الأمور ضمن جغرافيتها، أو تلك المتصلة بها بُعدًا وقربًا، وروابط وعلاقات أخرى لها حساباتها بميزان السياسة.
والسياسة، في الأول والأخير، تعني: أين نلتقي في المصالح، وأين نتعارض؟ وما الذي يعزز متانتها ويخلق مزيدًا من فضاءات التأثير الناجمة عنها عبر أي شكل من أشكال التحالف، أو يعيق من قدرة تأثيرها؟
وهنا نقف أمام اتفاق مكة بكل ما يمثله لحظة انبثاقه، وما سيليها من فترات زمنية حاملة رسائل ذات مضامين تعكس قوة تأثير، يُعاد على ضوئها قراءة مستقبلية لمسارات السياسة والمصالح بين دول الحلف الجديد وباقي الأطراف الإقليمية والدولية.
وحتى لا نلبس الاتفاق هالة من هالات المكانة الروحية لموقع مكة المكرمة، ومن قدسية يوم التوقيع، يوم الجمعة، هالة تحلق في فضاءات بعيدة عن متطلبات عالم السياسة وما تحت اليد من مفاعيل القوة، فإن قوة الموقع وعناصر القوة الأخرى، الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، هي الداعمة للتأثير السياسي والاقتصادي المتوخى.
إن عناصر قوة الاقتصاد والموقع وعناصر القوة الأخرى، التي يعبر وجودها الفعلي عن داعم لقوة التأثير السياسي، ستكون حاضرة في مجريات أمور بإقليم مضطرب يكاد يربك ليس فقط المنطقة التي تنتمي إليها الدول الثلاث، أي السعودية وتركيا وباكستان، أي منطقة الشرق الأوسط الكبير، شاملًا كامل الإقليم العربي وكامل غرب آسيا، بل في وضع مضطرب يربك العالم كله.
هنا نتكلم عن جغرافيا تحكمها السياسة والمصالح المتبادلة، وطبيعة العلاقات والصراعات والتناقضات التي يتحتم أخذها بعين الاعتبار في حسابات دول الحلف الثلاثي، وضرورة ضبطها بما يحقق أمورًا ذات شأن سيادي لدول الحلف.
إذ إن الحرب المحتدمة في الجغرافيا الخليجية الإيرانية ليست حرب المنطقة؛ هي حرب مفروضة لاعتبارات تخص قراءات ومصالح أمريكية إسرائيلية أولًا، وأنها بمثابة حرب مفتعلة. وليست من الحروب العابرة، بل حرب ذات طبيعة تغييرية تؤديها مفاعيل قوة فلسفتها السيطرة والتحكم، وتغيير وإعادة وترتيب واقع دولي جديد: «أمريكا أولًا»، وإضعاف إيران، وإعادة ضبط حركة الملاحة الدولية في مضيقي هرمز وباب المندب، والهيمنة على منابع النفط والطاقة.
لأن النية باتت مبيتة لعدم لعب دور الاستمرار بالحارس الأمني الأمريكي للخليج من قبل أمريكا، ذلك يعني سحب قواعدها وإدخال المنطقة في منولوج آخر، قوته الأساس إسرائيل بعد إضعاف إيران.
هنا المحك والسؤال: ترى، ما دور الحلف وما طبيعة مهمته في مواجهة كل من التمدد الإسرائيلي والوجود الجغرافي الإيراني الثابت؟ تفرض أعمال ومبادئ التعقل والحوار معه لتوفير الأمن والاستقرار للكل، أي لإيران ودول الخليج، بعيدًا عن منغصات أخرى. هكذا تقول السياسة، بعيدًا عن ألعاب أمريكا وإسرائيل.
هنا الأمور ليست في صلبها قدسية ولا هالة؛ تبقى الاعتبارات التي حتمت قيام اتفاق مكة اعتبارات جيوسياسية، باركها مكان التوقيع كما مستها بركات يوم التوقيع، لكن مفاعيل قوتها الفعلية التي تمتلكها الدول الثلاث وتجيد حسن استخدامها هي التي ستتعامل تعاملًا له مدلول آخر، يواجه توسع واتساع رقعة الإبراهيمية الجديدة، خاصة وأن ترامب ليس يسوعًا، ولا نتنياهو نبي بني إسرائيل الجديد؛ إنه الطور المتشدد من آخر مخرجات سايكس بيكو التي أقامت دولة الكيان الصهيوني بدعم أمريكي.
رمزية مكان التوقيع، مكة، لها نعم تأثير روحي ينتهي بانتهاء التوقيع، والدخول بعدها في حسابات السياسة وما سيتوجب على دول الحلف القيام به للإسهام الفعال في تسويات مقبولة لملفات تاريخية ملتهبة، وحرائقها تطوق العالم بأكمله، من أول الصين إلى دولة الكيان التي تعيد تصميم شكل ومسميات خرائط الشرق الأوسط الجديد الكبير، وما حدث مع سوريا اليوم خير دليل.
نعم، الدول الثلاث ذات حجم وثقل ذي شأن، له حسابات في بزار المواجهة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، لكن نسأل: ماذا سيكون عليه موقف دول اتفاق مكة إن سارت الأمور تجاه التصعيد ضد إيران؟
إذ ليس من مصلحة السعودية الانخراط في أي مواجهات ضد إيران لعديد اعتبارات تخدم مصالحها التي تحرص عليها، ولعديد أسباب تؤدي إلى احتواء هذه الحرب.
أما تركيا، فهي الأخرى، فإن نظرتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية لن تخاطر لتتحول إلى مخلب قط أمريكي ضد إيران. نعم، يمكنها التلويح، لكن ليس إلى درجة المواجهة مع إيران؛ ذلك سيعري موقفها من إسرائيل، وهي تقدم نفسها الحارس الجديد المواجه لإسرائيل.
أما باكستان، فإن حساباتها أكثر بُعدًا وحذرًا؛ تفضل خيار الدبلوماسية بعيدًا عن معاداة إيران، التي ترتبط معها بحسابات تؤجلها باكستان، لأن موقعها يجعل من صراعها مع الهند أولوية مطلقة على باقي الملفات والصراعات، ناهيك عن متاعبها الاقتصادية.
هذا لا يعني أن الحلف الجديد غير ذي جدوى؛ هو إنجاز يُبنى عليه، إن تعززت علاقاته ليصبح تحالفًا عربيًا إسلاميًا، يأخذ باعتباره أن تهديد أمن واستقرار الشرق الأوسط إنما يأتي من قبل التهديد والتوسع الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا.
وذلك يتطلب بالضرورة ثلاثة أمور ذات أبعاد استراتيجية:
أولها: إيران ليست الخطر الأكبر الأوحد على أمن واستقرار الشرق الأوسط.
وثانيًا: التعامل مع مشروع تغيير الشرق الأوسط إسرائيليًا كخطر أساس، يتطلب إدراك متطلبات وتبعات ذلك على الدول الثلاث.
وثالثًا: ضرورة توسيع قاعدة التحالف الثلاثي ليضم دولًا عربية ذات ثقل، كمصر والجزائر. بل تتطلب الضرورة التاريخية لتعزيز مكانة وقوة ودور هذا الحلف ضرورة العمل على احتواء الدور الإيراني ومد جسور التفاهم معه، في محاولة لجر سياساته بعيدًا عن شيطنة القوة، باتجاه تخليق محفزات سياسية واقتصادية تضمن حوارًا جادًا ومسؤولًا، لخلق علاقات ومصالح متبادلة تحفظ أمن الجميع بمنطقة جوار عربي إيراني، يمتد ليشمل مصالح أطراف دولية أخرى يهمها تأمين حركة مرور آمنة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وهذا هو الدور المأمول تأديته من لدن هذا التحالف الثلاثي الجديد وآفاق توسعه.
وهنا تحديدًا ستتبين، مع قادم الأيام، تأثير العلاقات الأمريكية التي تربط بين الولايات المتحدة وهذه الدول الثلاث.
أمريكا، بعيدًا عن الإملاءات، إذ في نهاية المطاف لا تفرط بثلاثة أمور:
الأول: دعم إسرائيل هو الأساس.
ثانيًا: شرق أوسط محدود التأثير للنفوذين الصيني والروسي.
ثالثًا: إدارة المضايق والممرات الدولية ليست بعيدة عن العيون الأمريكية، ضمانًا لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
رابعًا: أن تظل العيون الأمريكية، بمطامعها، حارسة لمنابع النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في منطقة الخليج.
نختم: ستظل مكة مباركة، وليوم الجمعة بركاتها، لكن ستظل للسياسة لعناتها وحرائقها التي تلهب وتشعل كل ساحة لم تحتط لمفاعيلها وأسوأ نتائجها جيدًا.