الأربعاء, 19 أغسطس 2026
77
تنويه:"هذه قصة من نسج الخيال، وأي تشابه بينها وبين أحداث أو وقائع أو شخصيات حقيقية هو محض مصادفة".
دخل لصٌّ بيتًا كبيرًا في عتمة الليل، يحمل سلاحه وخريطةً رسم عليها مسبقاً كيف سيقسم الغرف، وأين سيضع أمتعته، وما الذي سيستولي عليه من خزائن وأرض.
كان يظن أن البيت خالٍ من أهله، أو هكذا أقنع نفسه؛ فقد قال له بعض رفاقه إن ساكنيه غادروا منذ زمن، وإنه لن يجد سوى أبواب قديمة وغرف مهجورة.
لكن ما إن كسر الباب ودخل حتى فوجئ بأهل البيت نائمين في غرفهم: أطفال وشيوخ ونساء ورجال، لهم صور معلقة على الجدران، وذكريات محفوظة في الصناديق، وأسماء محفورة على عتبات الأبواب. استيقظ أهل البيت مذعورين، وسألوه: من أنت؟ وكيف دخلت بيتنا؟
لم يُجبهم. رفع سلاحه، وقتل من وقف في طريقه، وطرد بعضهم من الغرف، وحبس آخرين في قبو ضيق، ثم علّق على الباب لافتة كتب عليها: "هذا البيت أصبح ملكاً لي".
قاوم من بقي حيّاً، فاتهمهم اللص بأنهم يهددون أمنه، وأن وجودهم في الغرف التي استولى عليها استفزاز لا يمكن السكوت عنه. ثم أخذ يهدم الجدران، وينقل الأثاث، ويمنح رفاقه غرفاً ليست لهم، بينما كان يطالب أصحاب البيت بأن يتوقفوا عن الصراخ حفاظاً على الهدوء.
وحين اشتدت مقاومة أهل البيت، وخشي اللص أن يخسر ما استولى عليه، انسحب إلى مدينته، لكنه لم يُعد المفاتيح، ولم يطلق سراح المحبوسين، ولم يعترف بما ارتكبه.
ومن هناك ظهر أمام الناس بثياب أنيقة ووجه هادئ، ودعا إلى مؤتمر للمصالحة بين ساكني البيت. قال إنه يشعر بالقلق من استمرار العنف، وإنه مستعد لرعاية الحوار بين الأطراف المتنازعة.
تعجب أحد الناجين وسأله: بين أي أطراف؟ نحن أصحاب البيت، وأنت الذي اقتحمته وقتلت أهله واستوليت على غرفه! ابتسم اللص وقال: لا ينبغي أن نبقى أسرى للماضي. المطلوب الآن أن يتنازل كل طرف قليلاً من أجل السلام.
سأله الرجل: وماذا ستتنازل أنت؟ أجاب اللص: سأتنازل عن إدانتي لكم مدة انعقاد المفاوضات، بشرط أن تتوقفوا عن مقاومتي، وأن تقبلوا بقاء الغرف التي استوليت عليها تحت سيطرتي.
وعندما اعترض أهل البيت، أعلن اللص أمام مدينته أن المشكلة ليست في السرقة ولا في القتل ولا في اغتصاب البيت، بل في "تعنّت الطرفين" ورفضهما تقديم تنازلات متبادلة.
وهكذا صار القاتل وسيطًا، واللص راعيًا للصلح، وأصحاب البيت طرفًا متهمًا بإعاقة السلام.
لكن طفلًا نجا من المذبحة وقف أمام الجميع وقال: السلام الحقيقي لا يبدأ بمصافحة اللص، بل بإعادة البيت إلى أهله، ومحاسبة من قتلهم. فمن يحتفظ بالغنيمة لا يصبح وسيطاً، ومن يحمي الجريمة لا يصير صانعاً للسلام.
ساد الصمت؛ لأن الطفل اختصر الحقيقة التي حاولت المؤتمرات الطويلة إخفاءها: لا يستطيع المعتدي أن يكون حكماً محايداً في جريمة ارتكبها، ولا تكون المصالحة عادلة إذا طُلب من الضحية أن تتنازل عن حقها، بينما يُسمح للجاني بالاحتفاظ بما سرق.