الثابت عدن، والمتحول هو التاريخ، والتاريخ هو صنعة إنسانية بشرية بحتة، يتغير بتغير الأشخاص وبأفعالهم، كخشبة مسرح يتعاقب في  التمثيل عليها طائفة من الممثلين ثم طائفة أخرى وأخرى، كأن ترى على الخشبة ذاتها علي الكسار وجورج الأبيض ونجيب الريحاني حينا، وحينا أخر؛ بعد فترة من السنين؛ يعتليها فؤاد المهندس وشويكار وعبدالمنعم مدبولي، قبل أن يذهبوا كما ذهب أسلافهم، ويظهر آخرون وآخرون وآخرون، والخشبة هي ذاتها الخشبة.

وحتى المشاهدون في القاعة ذاتها قد ذهبت أجيال منهم بعد أجيال والقاعة هي هي؛ وخشبة المسرح ذاتها ولو إلى حين طويل.
وربما من الأفضل أن أقول تبسيطا: إن الجغرافيا ثابتة والتاريخ متبدل أو أن الجغرافيا صامتة أو بدون لسان وأن لسانها هو التاريخ الذي سيشرح أو يتكلم؛ عن كل ما مرت ب (عدن) مثلا؛ من أحداث ومتغيرات صعودًا وهبوطًا خيرًا أو شرًا رخاء أوشدة ..إلخ في كل أزمانها المتعاقبة، وهكذا.

قبل قرن ونيف ولد محمد علي باشراحيل، وتحديدًا في ال 4 من أبريل عام 1919 م لتكتب متلازمة الأقدار بُعدًا آخر من أبعاد عدن؛ المدينة الأخاذة، بمشيئة الفعل القادم لهذا الطفل الذي توسمت فيه مدينة البحر والجبل خيرًا، وانطبعت هي في وجدانياته كمقصد للفعل الذي يرومه مستقبلا، ولم يكن ذلك ببعيد عن مؤثرات ما بعد الحرب الكونية الثانية التي انتهت في العام 1945م لتأخذ عدن مكانة الهند درة بديلة في تاج الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

كان الباشراحيل محمد علي ابن عدن الذي يقرأ تفاصيل المخبوء في كنه الحدث، فبريطانيا ما بعد الحرب ليست هي ما قبلها. ولأنه نابض بحركة التاريخ وبحب هذه الأرض فقد كان في قلب الحدث باحثًا لعدن عن حقوقها في مجلسها البلدي والتشريعي من اللغة إلى الوظيفة العامة إلى مزيد من الحريات الحقيقية لأبنائها، وكان صوته العربي المجلجل يرسم صورة من لا يخاف في الحق لومة لائم.

ولان رابطة أبناء الجنوب على عهد مؤسسيها الكبار السيد محمد علي الجفري وشيخان الحبشي والصافي.. إلخ غير بعيدين عن كبيرهم السلطان الثائر علي عبدالكريم العبدلي كانت - الرابطة - حاضن ضخم لمسلك الوطنية المتوقد على أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الفائت، وأن الأستاذ محمد علي باشراحيل كان بمثابة مايسترو هذه الجوقة العجيبة بوعي يشع وطنية تغطي سماء عدن وتتجه سحائب الوعي لمدركات الخيار الوطني للجنوب ككل. وربما كان الباشراحيل مشبعًا بالانبعاثات العروبية والقومية، كما سنراه واضحًا في كتاباته ومواقفه في الخمسينات والستينات من ذات القرن.
 كان أفق الصحافة في عدن واحدًا من تجليات الوعي وتطوره بعد الحرب الكونية.

وإذا أضفنا إليها صعود الطبقة العاملة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وتطور التعليم.. إلخ تكون صاحبة الجلالة هي بغية الباشراحيل التي تقلبت بين يديه - هذه المهنة -  بما هي إبداع إنساني محض؛ تتجلى فيها المقدرة العجيبة على صناعة الفعل من الحرف فكانت صحيفة (الرقيب) قبل أن تعقبها (الأيام) صاحبة القدر المعلّى في صحافة عدن منذ الميلاد في العام 1958م وحتى اليوم.

 كان الباشراحيل الكبير عصاميا فعلا حين يخلق صحيفة تخترق جدار الزمان بثقابة الرأي والخبر ونقل ما في بطن عدن إلى واجهة صدارة الأوراق المغمسة بالحبر الأسود ولكنها مضمخة بعطر الامتثال للشرف الصحفي وقيم الخير والعدل والجمال.

 عاش الباشراحيل قطب الأقطاب في فترة الغليان والثورة منحازًا لشعبه ووطنه.

وعاش وهو يرى (قلب ظهر المجن) من قادة الاستقلال الوطني في 1967م حيث تكافئ عدن بقمع هامش حرية الصحافة والعمل النقابي والتعددية.. إلخ. وكانت (الأيام) - أيام الباشراحيل - على رأس القائمة التي تلقت عقاب ذوي القربى إلى جانب قائمة الغدر التي أفرغت عدن من خيرة كوادرها المؤهلة ليحل الغوغاء بدلا عنهم.
 عدن حقا تصاب بالجراح وبعضها جراح عميقة، ولكنها لا تموت، تتعافى ولو ببطء.
رحم الله مؤسس (الأيام) الأستاذ الكبير محمد علي باشراحيل.
والحديث لم يكتمل.