ليس من الإنصاف أن تعيش عدن، المدينة التي نتغنى بأمجادها طويلا، أوضاعا هي إلى الحرب أقرب من حياة الأمن والاستقرار منذ أن تحررت المدينة البطلة عام 2015 م.

تشابكت عوامل كثيرة هي مزيج من الذاتي والإقليمي لكي ترعى قوة الأمر الواقع ما كان إرثًا باقيًّا من احتلال الجنوب في 1994/7/7، بإضافات أشد بؤسًا ووطأة وبفعل مخزٍ من أبناء جلدتنا للأسف الشديد. يومها كتبت في "الأيام" الغراء بعد أن تذكرت أبا الطيب المتنبي، مقالًا بعنوان: (وظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند).

في العشرية السوداء ازداد نهب أراضي الدولة وممتلكات الغير بما يتفوق فيه الفاعلون بما اقترفه نظام عفاش.

وأحيط ميناء عدن التاريخي بأحزمة عسكرية مهمتها الجباية لا غير، وليبقى الميناء العالمي العريق (عدن) في حالته الرثة إكرامًا لعيون ميناء جبل علي الزرقاء.

أشياء كثيرة أبقت (عدنا) ترتع في فيضان من الشعارات الرنانة العاطفية عن القضية الجنوبية؛ دون أن نتقدم خطوة واحدة نحو استعادة الفردوس المفقود - الدولة الجنوبية - وكأن ما كان متاحًا لقوة الأمر الواقع التي تمتلك الأرض وما عليها تقديم الوهم تسويقًا وبيعًا للجموع الغفيرة المغلوب على أمرها عشرًا عجافًا بلا رواتب ولا خدمات أساسية وأصبحت لدينا بامتياز طبقة الثراء الفاحش في الأعلى وطبقة مسحوقة في ال (تحت) دون أن نجد أثرًا للطبقة المتوسطة صاحبة التحولات الاجتماعية تاريخيا.

الآن؛ من حق عدن (قلب ونبض الجنوب) علينا؛ أن نبدأ عهدًا جديدًا فيها، عهد يكرس مهارات الإنسان في الإدارة والعمل بعيدًا عن السياسة، لكي تستعيد هذه المدينة القها التاريخي الذي كان، بتحييدها عن كل ما يعرقل ازدهارها الذي كان سببا في وصول سمعتها التجارية إلى كل مكان في العالم من سنغافورة إلى نيويورك.

وتظل القضية الجنوبية أكبر وأعظم من أي أشخاص أو كيانات سياسية، فهي قضية شعب وليست قضية فرد. وتظل استعادة الدولة الجنوبية هدفا مشروعا لكل أبناء هذه الأرض. لكننا بالمقابل علينا تحييد عدن عن الصراع الداخلي وعن كل ما يؤخر مسيرتها الاقتصادية والتنموية ويغرقها في مستنقع الفوضى وعدم الاستقرار. ومساعدة قياداتها الشابة في حل أزماتها المفتعلة، وأن نكون عونًا لهم في معركتنا الحضارية القادمة، وأن نسابق الزمن لا أن نتخلف عنه كما حدث في العشر السنين الماضية.