> "الأيام" غرفة الأخبار:

قال تقرير نشره مركز سوث24 للدراسات إن جنوب اليمن يشهد منذ ديسمبر 2025 تحولات أمنية متسارعة قد تُنذر بتآكل تدريجي في بنية مكافحة الإرهاب التي تشكلت خلال العقد الماضي، في ظل تغيّر موازين القوى الميدانية وتراجع وتيرة العمليات الأمنية المنسقة ضد التنظيمات المتشددة.

وأضاف التقرير، الذي أعده الباحث عبد الله الشادلي، أن هذه التحولات بدأت مع دخول القوات الجنوبية التابعة لـ المجلس الانتقالي الجنوبي إلى وادي حضرموت في 3 ديسمبر 2025 ضمن عملية "المستقبل الواعد"، وهي خطوة عُدت امتدادًا لجهود سابقة نجحت في تقليص نفوذ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في محافظات مثل أبين وشبوة وحضرموت، بدعم إقليمي مباشر.

وأشار التقرير إلى أن هذا الانتشار رافقته إجراءات ميدانية استهدفت مصادر التمويل غير القانونية، حيث أعلنت قوات اللواء الخامس دعم وإسناد ضبط أربع محطات غير قانونية لتكرير النفط في منطقة الخشعة بوادي حضرموت في 24 ديسمبر، في عملية وُصفت بأنها محاولة لتجفيف منابع تمويل محتملة لشبكات تهريب مرتبطة بجماعات متشددة.

وأكد التقرير أن هذا التقدم لم يدم طويلًا، إذ شهدت بداية يناير 2026 تحولًا حادًا تمثل في تعرض مواقع القوات الجنوبية لغارات جوية سعودية، تزامنت مع تحركات لقوات مدعومة من الرياض، ما أدى إلى انسحاب القوات الجنوبية من مناطق انتشارها خلال فترة لم تتجاوز شهرًا واحدًا، في تطور أعاد رسم خارطة النفوذ الأمني في المنطقة.

وشدد التقرير على أن هذا التحول تزامن مع إعادة هيكلة أوسع للإشراف الإقليمي على الملف الأمني، حيث انسحبت قوات إماراتية من مواقع حساسة مثل قاعدة "مرة" في شبوة ومطار الريان في المكلا، اللذين شكّلا خلال سنوات مراكز رئيسية لإدارة العمليات الاستخبارية ضد تنظيم القاعدة، وذلك بطلب من الحكومة اليمنية وبضغط سعودي، في مقابل صعود دور القوات المدعومة من الرياض، بما في ذلك "درع الوطن" وقوات الطوارئ.

وأضاف أن هذه التغيرات السريعة أفرزت فراغًا أمنيًا ظهر بشكل شبه فوري، حيث شهدت مدينة المكلا ومحيط مطار الريان في 4 يناير 2026 أعمال نهب طالت معسكرات ومخازن أسلحة، وسط تقارير عن مشاركة مسلحين وقبليين في الاستيلاء على كميات من العتاد، يُعتقد أن جزءًا منها انتقل لاحقًا إلى معاقل متشددة في وادي عبيدة بمحافظة مأرب عبر شبكات تهريب.

ولفت التقرير إلى أن الإجراءات التي تبناها عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، بالتعاون مع وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، شملت تسريح نحو 1500 جندي وضابط من لواء بارشيد في المكلا، وهو أحد أبرز تشكيلات النخبة الحضرمية التي شاركت في دحر تنظيم القاعدة عام 2016، ما أثار مخاوف من إضعاف بنية محلية لعبت دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب.

وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى اتساع المؤشرات الأمنية لتشمل مناطق أخرى، حيث شهدت محافظة المهرة حادثة استهداف بطائرة مسيّرة لشخص يُعتقد بانتمائه إلى حركة الشباب، في واقعة نادرة تعكس مخاوف من تحول المنطقة إلى ممر لعناصر عابرة للحدود، خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية المفتوحة.

كما أكد التقرير عودة محافظة أبين إلى واجهة التوترات الأمنية، بعد تعرض رئيس المجلس الانتقالي في مديرية مودية، حسين الميسري، لمحاولة اغتيال مطلع أبريل، قبل أن يتوفى لاحقًا متأثرًا بجراحه، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في مناطق كانت قد شهدت تراجعًا لنشاط التنظيمات المتشددة.

وأوضح التقرير أن هذه الوقائع لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كجزء من نمط مترابط يعكس تحولًا أعمق في البيئة الأمنية، حيث يشير تزامن التقدم العسكري مع الانسحاب المفاجئ، وتبدل أدوار القوى الإقليمية، وظهور فراغات أمنية، إلى تراجع كفاءة منظومة الضغط التي حدّت من نشاط القاعدة خلال السنوات الماضية.

وأضاف أن هذا المشهد يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت هذه التطورات تمثل إعادة تموضع مؤقتة ضمن صراع نفوذ أوسع، أم بداية تآكل فعلي في منظومة مكافحة الإرهاب.

وفي محور تحليلي، أكد التقرير أن وضع تنظيم القاعدة في جنوب اليمن لم يعد يُختزل في ثنائية "الضعف أو العودة"، بل يعكس مرحلة أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بـ”إعادة البناء الصامتة”، حيث يستفيد التنظيم من تراجع الضغط الأمني لإعادة ترتيب صفوفه.

ونقل التقرير عن الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية عاصم الصبري قوله إن التنظيم تعرض لضربات "فادحة" خلال السنوات الماضية، خصوصًا عبر استهداف قياداته وعملياته في أبين وشبوة، لكنه لم يُهزم بالكامل، بل أعاد تشكيل نمط عمله.

وأضاف الصبري أن التطورات منذ ديسمبر 2025 وفرت للتنظيم فرصة "لالتقاط أنفاسه" وإعادة تنشيط محاولات الاستقطاب، خاصة في مناطق مثل شبوة وأبين ومأرب والبيضاء، مشيرًا إلى أن هذا التحول لا يعني عودة فورية للنشاط، بل إعادة بناء تدريجية.

وأشار التقرير إلى أن باحثًا آخر – فضل عدم الكشف عن هويته – يرى أن الضربات السابقة دفعت التنظيم إلى تقليص ظهوره الميداني واعتماد تحركات أكثر حذرًا، ما ساهم في بقائه رغم الخسائر، مؤكدًا أن دور القوات المحلية كان أساسيًا في استنزافه وتعزيز فعالية الضربات الجوية.

وشدد الباحث، بحسب التقرير، على أن المشكلة الحالية لا تكمن فقط في إعادة انتشار القوات، بل في تراجع وتيرة العمليات، ما يخلق فجوة زمنية قد يستفيد منها التنظيم لإعادة بناء قدراته.

وأضاف التقرير أن التنظيم يتبع حاليًا نهجًا تكتيكيًا حذرًا، حيث يمتلك – وفق الصبري – قائمة أهداف لتنفيذ عمليات، لكنه يؤجل تنفيذها لتجنب لفت الانتباه أو الدخول في مواجهة مباشرة، خصوصًا مع السعودية في هذه المرحلة.

كما أشار إلى أن التنظيم بدأ الاستثمار في تطوير قدراته، بما في ذلك التدريب على المتفجرات والتقنيات الحديثة، في مؤشر على انتقاله من مرحلة "البقاء" إلى "الاستعداد".

وحذر التقرير من خطورة تداخل العوامل الأمنية مع الحسابات السياسية، مؤكدًا أن تجميد جهود مكافحة الإرهاب قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، مستشهدًا بتجارب سابقة في اليمن حيث تطورت جماعات محدودة إلى قوى مهيمنة.

وفي سياق متصل، لفت التقرير إلى مخاوف من وجود تقاطعات غير مباشرة بين جماعات مسلحة، بما في ذلك الحوثيين وتنظيمات متشددة، وهو ما يضيف بعدًا إقليميًا للمخاطر.

وعلى الصعيد الإقليمي، أشار التقرير إلى أن التحولات في جنوب اليمن تتقاطع مع قراءات صادرة عن جهات بحثية دولية، من بينها ACLED، التي رأت أن ما جرى في حضرموت والمهرة يعكس أزمة أوسع أعادت تشكيل موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

وأضاف أن تقارير أخرى، مثل تلك الصادرة عن Jamestown Foundation، تشير إلى تنامي علاقات براغماتية بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، إلى جانب صلات مع حركة الشباب، تشمل تبادلًا في مجالات السلاح والتهريب والتدريب.

كما لفت إلى أن منصة Just Security أشارت إلى استمرار الضربات الجوية ضد القاعدة في اليمن، ولكن في إطار يتسم بقدر من الغموض وغياب الشفافية مقارنة بالفترات السابقة، ما يعكس تحولًا في إدارة هذا الملف دوليًا.

واختتم التقرير بالتأكيد على أن جنوب اليمن يقف أمام مرحلة معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، حيث لم تعد المخاطر تقتصر على عودة التنظيمات المتشددة، بل تمتد إلى احتمال تشكل بيئة أمنية أكثر هشاشة وتعقيدًا، في ظل تراجع التنسيق وتعدد الفاعلين، وهو ما يضع مستقبل مكافحة الإرهاب أمام تحديات غير مسبوقة.