بالأمس القريب أرسل لي أحد الأصدقاء الأعزاء مقطع فيديو يعرض التقلبات التي شهدها قطاع النقل العام في عدن طوال السنوات منذ تأسيس أول شركة نقل عام في عدن في ثلاثينات القرن الماضي حتى انقراض هذا القطاع بعد غزو 1994م الذي أتى على كل ما يميز عدن من صور المدنية الحديثة في مذبحة (بيعة الرخص) التي أطلقوا عليها الخصخصة ومنها النقل العام الذي يميز معظم مدن المعمورة.
لم تعمل أي من السلطات المتعاقبة في الشرعية على إحياء أي مؤسسة خدمية أو صناعية أو إنتاجية من تلك التي أتت عليها مذبحة (بيعة الرخص) ولا زالت وصمة (خليك في البيت) وما صاحبها من ظلم تفعل فعلها في نفوس وحياة الضحايا حتى اليوم، وأي معالجات يتحدثون عنها، في هذا الخصوص، هي فقط للاستهلاك الإعلامي وذر للرماد في العيون لا أكثر.
ونحن عندما نذكر ذلك فإننا نستدعي الغيرة الرسمية وندعو إلى إحياء المؤسسات التي تم التفريط بها باسم الخصخصة من صروح اقتصادية ومصانع تم إسكاتها لإبعادها كمنافس أو كانتقام، فهي تمثل رافدًا اقتصاديًّا وتشغل أيدي عاملة وتعمل على إحداث تراكم معرفي لا غنى له في أي مجتمع يسعى للنهوض.
النقل العام شهد تطورًا كبيرًا في كثير من مدن المعمورة من الباصات الكهربائية إلى قطارات الإنفاق لدرجة أن أصبحت أكثر جدوى وسرعة وراحة من السيارات الخاصة، ولا زال جيلنا يتذكر كيف كنا نضبط ساعاتنا على مواعيد حركة باصات النقل العام في عدن في كل الخطوط والمحددة (بعشرين دقيقة) بين الباص والباص الذي يليه.
الفيديو الذي أرسله لي صديقي يحكي قصة اختفاء مظهر من مظاهر مدنية عدن بفعل التغيير السلبي، لكن الأسوأ من ذلك هو التغيير الذي عصف بسلوكيات بعض الناس، ففي زمن مضى كنا نعتبر الرشوة نقيصة، كان احدنا يخجل أن يلبس ساعة فاخرة حتى لو كانت هدية من تاجر ميسور أو صديق مغترب، ليس خوفا، ولكن خجلا من أن يتميز على (شلة) الأصدقاء.
أين نحن من سلوكيات اليوم عندما يذهب أحد وزرائنا وهو يلبس ساعة فاخرة ثمنها عشرات الآلاف من الدولارات، ناهيك عن ماركة البدلة والحذاء، وبدون خجل، يتسول معونه من وزير في الغرب يلبس ساعة كاسيو ثمنها خمسة دولارات.
كنا نعتبر المماطلة في معالجة قضايا الناس ضربا من العيب وكنا نخجل عندما نصل إلى مكاتبنا متأخرين أو عندما نغادر عملنا قبل الموظفين، كان رئيس العمل يمثل قدوة بمسؤولية أكبر، كان المسؤول مرجعية بفعل التراكم المعرفي الذي يختزنه وقواعد العمل التي يحفظها عن ظهر قلب، ولم تكن المسؤولية مجرد حصانة تمنح المسؤول مزايا خرافية وتعفيه من المساءلة.



















