> حنان حسين:
- ندى السيد: "عدن تدفع ثمن انبعاثات عالمية لم تكن سببًا فيها"
فعدن التي تستيقظ كل صباح على إيقاع أمواجها، والتي شكّلت عبر التاريخ مصدر رزقٍ وأمان، بات بحرها اليوم يحمل إنذارًا مخيفًا ؛ إذ لم يعد التغير المناخي مجرد طرحٍ نظري، بل تحوّل إلى معركة وجود تمس هوية المدينة وتهدد معالمها التاريخية العريقة.
ولقراءة هذا التهديد بعيونٍ علمية ، تلتقي منصة «سد» بالبروفيسورة ندى السيد حسن، أستاذة علوم الحياة والبيئة بجامعة عدن، التي سخّرت أبحاثها لتكون أداةً لمواجهة «الزحف الأزرق» الوشيك. مستندةً إلى أرقامٍ مقلقة حول ارتفاع منسوب البحار وتمددها بفعل الاحتباس الحراري، و ترسم البروفيسورة سيناريوهات تنذر بغرق أجزاء من المدينة وتملّح مياهها بحلول عام 2050 وما بعده، محذّرةً من تهديد الملامح الجغرافية لمدينة عدن.
- ندى السيد.. مسيرة علمية رائدة
تطل البروفيسورة ندى السيد حسن من أروقة جامعة عدن، لا بوصفها أكاديمية فحسب، بل كصوتٍ علمي يستشرف نبض السواحل وتحديات البقاء. انطلقت رحلتها من عدن، لتتوج بحصولها على الدكتوراه في العلوم البيئية من جامعة بغداد عام 2003، وهو ما مهّد لمسيرةٍ ثرية جمعت بين التدريس الأكاديمي والدور الريادي في العمل الاستشاري مع مؤسسات دولية ومحلية مرموقة، تاركةً بصمتها الواضحة في خريطة البحث العلمي.

وبصفتها باحثة متخصصة، تمكنت من تطويع المعرفة لخدمة قضايا التنمية، متنقلةً بين تدريس ميكروبيولوجيا البيئة والسموم البيئية لطلبة الدراسات العليا، وبين ترسيخ مفاهيم النوع الاجتماعي وإدارة الموارد الطبيعية في مركز المرأة للبحوث والتدريب. ولم يكن التعليم بالنسبة لها مجرد مهنة، بل منصةً لمواكبة التحولات المناخية العالمية وإسقاطها على واقع المدن النامية، حيث تتقاطع التحديات البيئية الكبرى مع محدودية الإمكانات المتاحة.
وامتدادًا لهذا العطاء، تتجاوز بصمتها الدكتورة ندى حدود القاعات الدراسية لتضطلع بدورٍ محوري كنقطة اتصال في المجموعة العربية للعلوم والتكنولوجيا للحد من مخاطر الكوارث. كما سخّرت خبرتها في خدمة حماية التنوع البيولوجي، مع تركيزٍ خاص على إدارة المحميات الطبيعية مثل "المملاح "و"الحسوة"، إيمانًا منها بأن هذه النظم البيئية الفريدة تمثل خط الدفاع الأول والأساسي في مواجهة التقلبات المناخية الحادة التي تشهدها المنطقة.
وفي القمة النسوية الخامسة، أطلقت ندى ناقوس الخطر عبر ورقة علمية لافتة، استشرفت فيها مستقبلًا مقلقًا لمدينة عدن المهددة بالغرق نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر. ولم تكن الورقة مجرد سيناريوهات نظرية، بل محاولة جادة لترجمة لغة الأرقام الصامتة إلى تحذيراتٍ ملموسة موجهة لصنّاع القرار، مؤكدةً أن مسؤولية العالِم لا تقف عند حدود البحث، بل تمتد إلى إيصال المعرفة إلى المجتمع وحمايته من الكوارث المتوقعة المرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي مسارٍ موازٍ لهذا الجهد العلمي، برزت كقائدة أكاديمية تتبنى رؤيةً تربط بين النوع الاجتماعي والموارد الطبيعية، حيث أسهمت في تدريب الكوادر النسائية في الشرطة اليمنية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقد تُوّجت هذه المسيرة الحافلة بجائزة رئيس الجمهورية للبحث العلمي عام 2010، لتواصل اليوم دورها كخبيرة وطنية في بناء قدرات الأجيال القادمة، مؤكدةً أن العلم الحقيقي هو ذلك الذي يترك أثرًا ملموسًا في استدامة كوكبنا.
- لغة الأرقام وتشخيص الأزمة
توضح البروفيسورة ندى أن انخراطها البحثي انطلق من ملاحظة جوهرية مفادها أن الدراسات العالمية لا تعكس دائمًا خصوصية المدن النامية مثل عدن، وهو ما دفعها إلى تقديم ورقتها العلمية بعنوان «عدن مهددة بالغمر نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر». وبالعودة إلى الإطار العلمي الأوسع، ترصد الدراسة ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.85 درجة مئوية خلال الفترة من 1880 إلى 2012، ما أسهم في ارتفاع منسوب مياه البحار بنحو 19 سم، وهو ما تؤكده تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التي تشير إلى أن العديد من المدن الساحلية باتت مهددة بالغمر خلال العقود القادمة، مع توقعات بارتفاع منسوب مياه البحر بين 24 و30 سم بحلول عام 2065، وقد يصل إلى نحو 63 سم بحلول عام 2100، الأمر الذي يجعل خطر الغمر احتمالًا واقعيًّا لا مجرد سيناريو نظري بعيد المنال.

وبالانتقال إلى لغة الأرقام الدقيقة الخاصة بمدينة عدن، تكشف دراسة البروفيسورة ندى الصادرة في نوفمبر 2019 أن منسوب مياه البحر يرتفع بمعدل 2 ملم سنويًّا، واستنادًا إلى هذه المعطيات وضعت تسلسلًا علميًّا لدرجات الخطورة المكانية، إذ حددت أن المناطق الرطبة والبحيرات الساحلية تمثل «نقطة الانطلاق» وأول ما يُتوقع غمره بالكامل نتيجة تقييد قدرتها على التمدد الطبيعي بفعل الزحف العمراني غير المنظم، كما صنّفت أحياء خور مكسر وساحل أبين والحسوة وسواحل البريقة ضمن نطاق «عالية الخطورة» المهدد بالغمر بحلول عام 2050، في حين تقع المعلا والتواهي وكريتر والمنصورة ضمن نطاق الخطورة المتوسطة، بينما تُعد المناطق المرتفعة فقط منخفضة الخطورة، ما يقود إلى استنتاج مقلق بأن معظم المساحة المأهولة في عدن تقع اليوم داخل دائرة التهديد المباشر، وتكشف الدراسة الميدانية كذلك عن تراجعٍ ملموس في خط الشاطئ بلغ نحو 23 مترًا في خور مكسر و18 مترًا في خليج عدن (فقم)، وهو ما يشير إلى أن الطبيعة بدأت فعليًّا بإعادة رسم خريطة المدينة قسريًّا تحت ضغط الأمواج المتصاعد.
- سيناريوهات الغمر حتى عام 2100
أما «السيناريو الحرج» أو مسار أقصى ارتفاع مدٍّ عالمي، وهو الأكثر خطورة وفق تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فيفترض زيادة سنوية بمعدل 5.9 ملم، ما قد يؤدي إلى ارتفاع المنسوب إلى نحو 0.25 متر بحلول عام 2050، ليصل في ذروته إلى ما يقارب نصف متر (54 سم) بحلول عام 2100. ورغم أن الفارق يبدو محدودًا من حيث السنتيمترات، إلا أنه يُترجم عمليًّا إلى «نقطة لا عودة» قد تطال مرافق حيوية مثل مطار عدن الدولي ومحطة الطاقة البخارية.
- خطر غرق المنشآت السيادية والحلول "التكتيكية"
علاوة على ما سبق، يُمثل هذا الارتفاع تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية السيادية والحيوية؛ إذ يقع مطار عدن الدولي، والميناء، ومحطات الكهرباء في مناطق منخفضة وهشة جغرافيًّا ، وأن أي عواصف بحرية مفاجئة، أو زيادة في سرعة الرياح، أو تذبذب في درجات الحرارة، قد تؤدي إلى اضطراب في مياه المراسي والأرصفة، مما يعطل العمليات الملاحية وحركة الشاحنات، ويضع الأمن اللوجستي للمدينة في مواجهة مخاطر متزايدة.

وفي سياقٍ متصل، وخلال حوارها مع منصة «سد»، انتقدت البروفيسورة ندى السيد بشدة فوضى التمدد العمراني الساحلي وردم السبخات، مُحمِّلةً “الزحف العمراني والردم العشوائي” مسؤولية تجريد المدينة من “مصدّات الصدمة” الطبيعية. وأوضحت أن هذا التمدد يُقوّض خط الدفاع الأول للمدينة، والمتمثل في الأراضي الرطبة التي تمتص صدمات الأمواج، محذّرةً من أن اختفاءها يفتح الطريق أمام العواصف للوصول مباشرة إلى المناطق السكنية، فضلًا عن التسبب في سدّ مجاري السيول وقنوات تصريف مياه الأمطار.
ولا يقتصر الخطر على السطح، بل يمتد ليتسلل إلى أعماق الأرض حيث مخازن المياه العذبة؛ فمع ارتفاع منسوب البحر، يتزايد الضغط الهيدروليكي للمياه المالحة. وتدق الدراسة ناقوس الخطر بشأن حوض «بئر أحمد»، المصدر الوحيد للمياه العذبة الذي يوفّر نحو 50% من إمدادات المدينة، محذّرةً من اقترابه من مرحلة «التدهور الحرج»؛ وهو مصطلح علمي يشير إلى تجاوز حدود الأمان وبدء حدوث الانكسار الهيدروليكي فعليًّا، بما يهدد بتحوّل مياه الشرب إلى مياه أجاج غير صالحة للاستهلاك.
وتحذّر البروفيسورة من «انهيار متسلسل للنظم البيئية» (Ecosystem Cascade)، موضحةً أن فقدان “المملاح” لا يعني خسارة مورد الملح فحسب، بل يمثل أيضًا توقف محطة استراحة رئيسية للطيور المهاجرة، وهو ما يفضي إلى اختلال التوازن البيئي؛ بدءًا من انتشار الحشرات (التي كانت الطيور تحدّ منها طبيعيًّا)، وصولًا إلى تأثر عمليات تلقيح النباتات وتراجع الثروة السمكية. ويجعل هذا الترابط الوثيق أي اضطراب في مستوى سطح البحر شرارةً لسلسلة من الأزمات التي تمس حياة الإنسان وأمنه الغذائي بشكل مباشر.
- خارطة طريق هندسية وإجرائية للإنقاذ
أما على المدى المتوسط، فتقترح استراتيجية تشمل إنشاء جدران خرسانية مسلّحة ومدعّمة بالصخور، بالتوازي مع رفع منسوب الأراضي الحيوية، مثل المدرجات والطرق الاستراتيجية. كما شدّدت على تفصيلة هندسية مهمة، تتمثل في تركيب “صمامات ذكية مانعة لرجوع مياه البحر” (Non-return valves) في شبكات التصريف، لمنع تسرب مياه البحر إلى الأحياء عبر قنوات تصريف الأمطار أثناء فترات المدّ العالي.

وفي الرؤية طويلة المدى، تدعو الدراسة إلى تبنّي حلول استراتيجية تعيد الاعتبار للطبيعة، مثل استزراع غابات “المانجروف”. وبالتوازي مع ذلك، تؤكد البروفيسورة على حلّ “تكيفي” منخفض الكلفة لقطاع الطاقة، يتمثل في عزل ورفع المعدات الحساسة في محطات الكهرباء على منصات مرتفعة، إلى جانب الوقف الفوري والحازم لأي عمليات ردم عشوائي تستهدف الملاحات.
- تكامل القطاعات ومواجهة الفجوة الإدارية
- الأثر الاجتماعي والاقتصادي للغرق
- «عدن: عدالة مناخية غائبة وبيئة غارقة»
وتحذّر البروفيسورة من أن التقاعس عن حماية محميتي "المملاح "و"الحسوة" سيؤدي إلى تفكك منظومة التوازن البيئي بالكامل؛ إذ إن فقدان هذه الأراضي الرطبة قد يفضي إلى انقراض نحو ثلث الأنواع الحيوية واختفاء موائل الطيور، ما يحوّل الهوية الساحلية للمدينة إلى مجرد ذكريات غارقة.
وبنبرة يملؤها الحرص، تلخّص البروفيسورة ندى السيد حديثها لـ«منصة سد» بكلمات قاطعة: «إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما التحرك الفوري بخطة وطنية شاملة، مسنودة بالعلم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو البقاء في ندمٍ لن يجدي نفعًا غدًا، حين تبتلع الأمواج كل الحلول وتصبح الاستجابة مستحيلة». إنها صرخة مدينة لا تملك ترف الوقت، بانتظار قرارٍ يحمي هويتها من الغرق.
إشراف عام: بسام القاضي
أنتج هذا التقرير بدعم من مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf)
*(« سَدّ SADD».. المُناخ رُوح الأرض)، منصة إعلامية رقمية متخصصة تُعنى بقضايا المناخ، البيئة والاستدامة، تتبع مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf).


















