في عالم يزداد ازدحاما بالتحليلات والتنبؤات لم يعد المتوقع كما كان يوما لم يعد نتيجة قراءة هادئة للمعطيات بل أصبح في كثير من الأحيان انعكاسا لرغبات مضمرة أو إسقاطا لأمنيات على واقع معقد لا يعترف بها..نحن لا نعيش فقط بين ما هو متوقع بل بين ما يمكن تسميته بالمتوقعقع ذلك الشكل المشوه من التوقع الذي يولد حين تختلط القراءة بالانحياز والواقع بالرغبة والتحليل بالدعاية هو ليس توقعا حقيقيا بل حالة من التضخيم أو التبسيط المخل تقدم للناس وكأنها حقيقة قادمة لا محالة.

المتوقع الحقيقي يقوم على معطيات موازين قوى سوابق تاريخية مؤشرات واقعية أما المتوقعقع فيقوم على الضجيج تصريحات إعلامية تحشيد عاطفي أو رغبة جماعية في تصديق سيناريو معين لأنه مريح أو مرضي نفسيا..في المشهد السياسي يظهر الفرق جليا قد يتوقع البعض عودة قوة سياسية إلى الواجهة أو سقوط أخرى بناء على قراءة واقعية لمسارات الأحداث هذا هو المتوقع لكن حين تتحول هذه القراءة إلى يقين مطلق وتبنى عليها مواقف وخطابات وكأنها حدثت بالفعل فنحن هنا أمام متوقعقع وهم مقنع بثوب التحليل.

الخطر لا يكمن في الخطأ بالتوقع فهذا أمر طبيعي بل في الإصرار على المتوقعقع رغم تغير المعطيات.. هنا يتحول التوقع إلى عبء و يصبح عائقا أمام الفهم بل وقد يدفع بصاحبه إلى قرارات خاطئة لأنه يتعامل مع واقع متخيل لا مع الواقع كما هو..وبين هذا وذاك يبقى الوعي هو الفاصل الوعي الذي يميز بين قراءة مفتوحة على الاحتمالات وبين يقين زائف مغلق على نفسه الوعي الذي يدرك أن السياسة ليست معادلة ثابتة بل حركة مستمرة وأن ما يبدو اليوم مرجحا قد يتغير غدا بفعل عامل غير محسوب..في النهاية لسنا مطالبين بأن نتنبأ بالمستقبل بقدر ما نحن مطالبون بفهم الحاضر كما هو لا كما نحب أن يكون فالمستقبل لا يصنعه المتوقعقع بل تصنعه الوقائع حتى وإن خالفت كل ما كنا نتوقعه.