منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها تركيا اعترافها بدولة إسرائيل في 28 مارس 1949، كتب التاريخ صفحة لا يمكن محوها. لم تكن تركيا مجرد دولة إسلامية ثانية تعترف بالكيان الصهيوني بعد إيران فحسب، بل كانت تُمهّد لعلاقة استراتيجية عميقة ستستمر عقوداً، حتى في أوج الصراع العربي-الإسرائيلي.في الخمسينيات والستينيات، حين كانت الدول العربية تخوض حروبها ضد إسرائيل، كانت أنقرة تقف في الخندق المضاد. 

عضو في الناتو منذ 1952، شريكة في استراتيجية المحيط مع إسرائيل وإيران الشاه و إثيوبيا التي وضعها ديفيد بن جوريون، تتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوقّع صفقات الأسلحة، وتدعم الموقف الغربي دون تردد. 
لم ترسل تركيا جندياً واحداً لمساندة مصر أو سوريا أو الأردن في 1948 أو 1967 أو 1973. بل كانت علاقاتها مع تل أبيب خاصة بكل معنى الكلمة سواءا تعاون عسكري، تنسيق أمني، ومصالح مشتركة ضد الخطر القومي العربي. 

ثم جاء عصر الإسلاميين. مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، بدت الصورة وكأنها ستتغير. زيارات متبادلة، تجارة مزدهرة، ثم انفجار الخطاب الدرامي لأردوغان في دافوس 2009، أسطول مرمرة 2010، وخطاباته المتكررة التي تصف إسرائيل بدولة إرهاب ونتنياهو بهتلر. 
بدا للكثيرين أن تركيا أخيراً ستكون المارد الذي ينتظره الفلسطينيين .لكن الواقع كان يروي قصة مختلفة تماماً، فوراء الخطاب الإعلامي الناري، ظلت العلاقات الاقتصادية قائمة. بلغ حجم التبادل التجاري في بعض السنوات أكثر من سبعة إلى ثمانية مليارات دولار. حتى بعد أحداث غزة 2023-2024، جاء الحظر التركي على بعض السلع متأخراً وجزئياً، ولم يصل إلى قطع كامل للعلاقات. التعاون الاستخباراتي تم تأطيره بطرق جديدة، و لم يتحول إلى مواجهة حقيقية.

 إسرائيل لم تفقد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة لتركيا، وتركيا لم تفقد قيمتها الاقتصادية والجيوسياسية بالنسبة لإسرائيل. 

تركيا اليوم لا تخوض حرباً وجودية ضد إسرائيل، لكنها ربما تخوض تنافساً إقليمياً على النفوذ فهي تستغل و تدعم حماس سياسياً وإعلامياً في نفس الوقت، تبني قواعد في ليبيا والقرن الأفريقي، تسعى لدور أكبر في الشرق الأوسط. لكنها في الوقت نفسه تحافظ على توازنها مع الناتو وواشنطن، وتحمي مصالحها الاقتصادية، وتعرف جيداً حدود قوتها. أما الخطاب القوي يُسوّق للجمهور الداخلي والعربي، لكنه لا يترجم إلى سياسة مواجهة وجودية معادية لاسرائيل.

من ينتظر من تركيا أن تقطع علاقاتها كلياً، أو تشن حرباً، أو تحول نفسها إلى درع واقٍ للمقاومة الفلسطينية او الامن القومي العربي، فهو يراهن على سراب.

 أنقرة ليست عدوة إسرائيل؛ هي حليفة متنافسة. تتنافسان على النفوذ والسوق والمكانة الإقليمية، لكنهما لا تتصارعان على الوجود. البراغماتية التركية أقوى من أي شعار إسلامي أو قومي.الرهان على تركيا كمنقذ كان خاسراً منذ البداية وسيبقى. والوهم الذي يُغذّيه الخطاب الإعلامي التركي لن يغير الحقيقة التاريخية: تركيا تختار مصالحها دائماً، ومصالحها لم تكن يوماً في مواجهة وجودية مع إسرائيل.الوقت حان لأن يدرك بعض العرب هذه الحقيقة البسيطة وهي ألا تنتظروا من أنقرة ما لم تفعله يوماً، وما لن تفعله أبداً.