في اليمن، قد يبدو مايو في بدايته شهرًا عاديًا… أيام تمضي بهدوء، وأحاديث لا توحي بأن شيئًا استثنائيًا يلوح في الأفق. لكن من يعرف تاريخ هذا البلد، يدرك أن الحكم على مايو من أوله خطأ يتكرر كل عام، وكأن هذا الشهر يحمل في طياته قدرًا خاصًا، أو مفارقة تتجاوز حدود المصادفة.

في 22 مايو 1990، بدا المشهد وكأنه لحظة صفاء نادرة في تاريخ معقد، حين أُعلن قرار تحقيق الوحدة اليمنية. يومها، لم يكن الحديث إلا عن وطن واحد، ومستقبل مشترك، وأمل يتجاوز سنوات الصراع بين الدولتين. كان كل شيء يوحي بأن القصة بدأت كما يجب.

لكن مايو لم يكن يومًا شهر النهايات السهلة.

بعد أربع سنوات فقط، وفي الشهر ذاته، تغيّر كل شيء. تصاعدت الخلافات، وانزلقت البلاد إلى حرب مفتوحة، لتبلغ ذروتها مع إعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994. لم يكن ذلك مجرد حدث سياسي، بل لحظة كشفت أن ما بدا ثابتًا في البداية، لم يكن كذلك في العمق.

وهنا تتضح المفارقة التي يصنعها هذا الشهر: ما يبدأ في مايو كحلم كبير، قد يتحول سريعًا إلى اختبار قاسٍ.

ومع مرور السنوات، لم يفقد مايو هذه الطبيعة المتقلبة. ففي المشهد الحديث، عادت الأسئلة القديمة بثوب جديد، مع صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017، ليؤكد أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة، وأن مايو لا يزال يحمل في طياته تناقضات المشهد اليمني.

ثم جاء إعلان الإدارة الذاتية في الجنوب، ليضيف فصلًا جديدًا إلى حكاية هذا الشهر؛ إعلان بدأ كخطوة حاسمة، لكنه سرعان ما اصطدم بتعقيدات الواقع السياسي، ليعيد التأكيد أن ما يبدأ في مايو لا ينتهي دائمًا كما خُطط له.

اليوم، يعود مايو والبلاد لا تزال تعيش على وقع التناقضات؛ فها هو المجلس الانتقالي يقاوم قرار حله بالحشد المليوني في ذكرى تأسيسه التاسعة، فيما يواجه المواطن واقعًا معقدًا تتداخل فيه السياسة بالمعيشة، وتتشابك فيه الآمال مع الإحباطات. مشهد لا يمكن قراءته من عنوانه الأول، ولا فهمه من بداياته فقط.

مايو في اليمن ليس مجرد شهر في التقويم، بل هو اختبار متكرر لفكرة صناعة البدايات، ولقدرة السياسة على الحفاظ على ما تصنعه. هو شهر يكشف الفجوة بين النوايا والنتائج، بين البدايات المشرقة والنهايات غير المتوقعة.

لهذا، لا يكفي أن تنظر إلى أول مايو لتفهمه.

في اليمن، الحكاية لا تُروى من بدايتها… بل من تحوّلاتها.

ومايو، أكثر من غيره، يذكّر اليمنيين بأن التاريخ لا يُقاس بلحظة الإعلان، بل بما يحدث بعدها.

فماذا عساه أن يُخبئ هذا العام؟