الجاهل بالتاريخ يكرر أخطاءه، والعاجز عن فهم الحاضر يضيع فرص المستقبل.

ثمة قاعدة راسخة في تاريخ تشكّل الدول الحديثة، مفادها أن الشعوب لا تُقيم كياناتها السيادية بمجرد الرغبة أو الحق التاريخي وحده، بل تحتاج إلى أحد شرطين لا غنى عنهما لكي تنجح، إما تراث دولتي يُعيد تنظيم نفسه، وإما رعاية دولية فاعلة تأخذ بيد المشروع نحو الاعتراف والتثبيت. وحين تغيب الشرطان أو يتعطلان، لا يختفي المشروع الوطني بالضرورة، لكنه يدخل في حالة من الجمود المؤلم قد تمتد سنوات او حتى عقودًا. هذه القاعدة تصف بدقة لافتة ما يعيشه شعب الجنوب العربي اليوم.

الجنوب ليس حالة مستحدثة أو مشروعًا وليد الأزمة اليمنية كما يصورها الساسة اليمنيون أو يظنها بعض الدبلوماسيين لقصور في معرفة التاريخ السياسي للمنطقة. شعب الجنوب يحمل في ذاكرته الجمعية تجربة دولة ذات مؤسسات وحدود وهوية متمايزة، ويحمل في وجدانه الشعبي وعيًا راسخًا بالتمايز الجغرافي والتاريخي والإنساني. وهذا التراث لم تُفرزه الأيديولوجيا بل رسّخه التاريخ المعاش. غير أن امتلاك التراث الدولي شرط ضروري لكنه غير كافٍ في غياب البيئة الدولية المواتية.

دخول القوى الدولية والإقليمية على خط الصراعات في اليمن و الجنوب وعلى الملف الجنوبي خصوصا جاءت انتقائية ومحسوبة. فالراعي الذي يريد ورقة ضغط لا دولة مكتملة، يُقدّم دعمًا بمقدار ما يخدم مصالحه لا بمقدار ما يخدم المشروع. والنتيجة أن الجنوب وجد نفسه أمام رعاية تضبطه أكثر مما تُمكّنه، وهو نمط متكرر في تجارب مماثلة عبر التاريخ.

الواقع الراهن في الجنوب يمكن وصفه بدقة بمعادلة الجمود المؤلم، أي لدينا شعب يرفض التنازل عن حقوقه الوطنية المشروعة، وقوى خارجية تعمل على إبقاء الوضع معلقًا لأن استمرار الصراع يخدم مصالحها أكثر من حله. لا الأطراف الخارجية قادرة على فرض واقع معاكس لإرادة الناس، ولا الشعب قادر منفردًا على حسم الصراع وكسر حالة التعليق. وهذا التوازن السلبي هو الأكثر إيلامًا لأنه لا يُنتج حلًّا ولا ينهي الصراع، بل يُنتج إرهاقًا متراكمًا يدفع ثمنه المواطن العادي يوميًّا.

رغم ذلك، ثمة ما يميز الحالة الجنوبية عن حالات أخرى تآكلت فيها المشاريع الوطنية، لأن الحضور الشعبي الواسع يمنح المشروع الجنوبي شرعيته الأساسية، حيث إن هناك وعي متنامٍ بالتمييز بين المشروع الوطني وبين الأداة التي تحمله. وهذا الوعي تحديدًا هو ما يجعل المشروع أكثر صمودًا أمام محاولات التفكيك.

تاريخ الشعوب يقول إن اللحظات المواتية لا تُصنع دائمًا بل تأتي أحيانًا، والشعوب التي تحافظ على مشروعها وهويتها في زمن الجمود تكون الأكثر استعدادًا حين تُفتح النافذة. المسؤولية الكبرى اليوم هي الصمود دون تآكل، والبناء الداخلي بوعي وصبر في انتظار اللحظة التي لا تُعوَّض.