​التأميم لم يكن مجرد إجراء اقتصادي عابر بل تحول إلى إشكالية قانونية عميقة مست جوهر الحق في الملكية الخاصة وأنتج وضعا مركبا امتد أثره لعقود حيث تداخلت فيه قرارات المصادرة مع غياب الضمانات القانونية ومع تعاقب سلطات سياسية لم تضع حلًّا جذريًّا بل أبقت الملف مفتوحا ومعلقا بين التأويل والتوظيف وهو ما أدى إلى تشكل واقع غير مستقر لا يحفظ حق المالك الأصلي ولا يؤسس لطمأنينة قانونية لدى المنتفع الحالي إن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بقرارات جزئية أو معالجات شكلية بل تتطلب فهما دقيقا للفروق الجوهرية بين التأميم والاستملاك ووضع اليد غير المشروع لأن الخلط بينها كان ولا يزال سببا رئيسيا في تعقيد المشهد فالتأميم بطبيعته إجراء سياسي نقل الملكية إلى الدولة دون ضمانات كافية بينما الاستملاك يفترض أن يكون مقيدا بشرط المنفعة العامة ومصحوبا بتعويض عادل ومسبق أما ما جرى لاحقا من تمكين منتفعين أو تخصيصات إدارية فقد خلق مراكز قانونية جديدة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن أيضًا أن تكون على حساب الحقوق الأصلية.

أما فيما يتعلق بالودائع والأموال النقدية فإن المسألة أكثر وضوحًا من الناحية القانونية لأنها تمثل التزامًا ماليًّا قائمًا في ذمة المؤسسات المصرفية لصالح المودعين وأي مصادرة لها دون تعويض تمثل إخلالا صريحا بمبدأ حماية الملكية واستقرار المعاملات ومن ثم فإن معالجتها يجب أن تقوم على إثبات الأرصدة التاريخية وتحديد قيمتها الحالية أو تعويضها بما يعادلها وإلزام الجهات الخلف بالوفاء بهذه الالتزامات وفق آلية قانونية واضحة تضمن عدم ضياع الحقوق أو سقوطها بالتقادم المصطنع.

وفي جانب العقارات المؤممة فإن الحل لا يمكن أن يكون بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بشكل مطلق لأن الواقع الحالي يضم شاغلين ومراكز استقرت عبر الزمن وبعضها نشأ بحسن نية ولذلك فإن المعالجة العادلة تقتضي التوازن بين إعادة الحق لأصحابه متى كان ذلك ممكنا دون إحداث ضرر جسيم وبين التعويض العادل في الحالات التي يتعذر فيها الإرجاع وهو نهج معمول به في تجارب قانونية متعددة واجهت أوضاعًا مشابهة.

لقد أظهر القانون رقم واحد وعشرين لسنة خمسة وتسعين (21) لسنة 1995م) قصورا واضحا حين (منح) سلطة تقديرية واسعة دون أن (ينشئ آلية مؤسسية) (مستقلة) للفصل في النزاعات وهو ما جعل النصوص عرضة للتأويل السياسي أكثر من كونها أدوات قانونية حاسمة ولذلك فإن أي إصلاح جاد يجب أن ينطلق من إعادة بناء الإطار القانوني على أسس واضحة تقوم على إنشاء هيئة مستقلة تتبع وزارة للإسكان والمجتمعات العمرانية مختصة بملفات التأميم والاستملاك تتولى فحص الحالات وتصنيفها وفق معايير دقيقة وتحدد لكل حالة مسارها المناسب سواء بالإعادة أو التعويض مع اعتماد أدوات تعويض متعددة لا تقتصر على الدفع النقدي بل تشمل بدائل عملية توازن بين قدرة الدولة وحقوق الأفراد.

كما أن إعادة ضبط مفهوم الاستملاك للمنفعة العامة أصبحت ضرورة ملحة بحيث يخضع لشروط صارمة تقوم على تحقق المنفعة الفعلية ووجوب التعويض العادل والمسبق وخضوع القرار لرقابة قضائية مستقلة مع إغلاق الباب أمام أي تبرير لاحق لمصادرات سابقة تحت هذا الغطاء وفي ذات السياق فإن فتح مسار قضائي فعال يمثل حجر الزاوية في أي حل حقيقي إذ لا يمكن ترسيخ العدالة دون تمكين المتضررين من اللجوء إلى (قضاء متخصص) قادر على الفصل في هذه النزاعات بكفاءة واستقلال.

إن الخلاصة التي لا يمكن تجاوزها أن ملف التأميم لا يعالج بقرارات إدارية أو توجيهات ظرفية بل يتطلب مقاربة شاملة تقوم على الاعتراف بالاختلال الذي وقع وبناء منظومة قانونية تحقق التوازن بين إنصاف المالكين الأصليين وعدم خلق مظالم جديدة وبما يعيد الثقة في القانون ويؤسس لاستقرار قانوني واقتصادي ينهي حالة الاضطراب التي ظلت قائمة لعقود ويضع حدا نهائيا لهذا الملف عبر معالجة جذرية تنطلق من سيادة القانون لا من اعتبارات السياسة.