منذ طفولتي، كنتُ أجلس إلى مائدة الطعام بعينٍ تختار، وقلبٍ يُرتّب، أؤجّل ما أحب إلى النهاية، أحتفظ به كما يُحتفظ بسرٍّ صغير، حتى تكون اللقمة الأخيرة ممتلئة بكل ما أشتهيه حقًا.

كنتُ أؤمن، دون أن أعي، أن طعم هذه اللقمة لا ينتهي بانتهاء الوجبة، بل يبقى عالقًا في الذاكرة، يمتدّ أثره حتى اللقاء القادم مع الطعام. كبرتُ واكتشفت أن الحياة تشبه تلك المائدة. وأننا – من حيث لا نشعر – نصنع "لقماتنا الأخيرة" في كل لقاء، في كل وداع، في كل لحظة نظنها عابرة وهي ليست كذلك.

لهذا، صرتُ أحاول أن أجعل لحظات الوداع، مهما كانت بسيطة، مغموسة بالودّ، معطّرة بالذكريات، مشبعة بالحب.

أن أختار كلماتي كما كنتُ أختار طعامي بعناية، وبنية أن يبقى طعمها جميلًا في قلب من أحب.

أتذكّر جيداً..!! ذلك الوداع الذي لم يكن كغيره. حين همس الطبيب بما لم يكن ينبغي أن أسمعه أن والدي لن يمكث طويلًا، ما هي إلا ساعات قليلة وسيرحل إلى دار البقاء .. تجمّدت الدنيا للحظة ثم عدتُ إليه، لا كمن يحمل خبر النهاية، بل كمن يحمل كل الحياة.

جلستُ إلى جواره أمسكتُ يديه، وكأنني أتشبث بكل ما تبقّى من العمر. ابتسم لي تلك الابتسامة التي كانت كفيلة أن تهدّئ عاصفة في داخلي. تحدّثتُ كثيرًا. عن طفولتي معه، عن ضحكاته، عن تفاصيل صغيرة ظننتها يومًا عادية ، فإذا بها اليوم كنوز. غنّيتُ له تلك الأغاني التي كنا نردّدها، وقرأتُ له الأدعية والمناجاة التي أحب أن أسمعها بصوته. تذكّرنا البيت القديم، الجيران، وحتى سائق حافلة المدرسة ( العم صالح) الذي كان يمازحنا كل صباح. كنتُ أضحك له وأبكي من الداخل. كنتُ أقاوم انكساري لأمنحه لحظة أخيرة مليئة بالحياة، لا بالحزن.

كانت نظراته متعبة لكن ابتسامته لم تغب. وفي لحظةٍ لا تُنسى، همس لي بتلك الكلمات البسيطة التي اخترقت قلبي:

"ما تعبتيش إلهامي…" ومنذ ذلك اليوم..!! أدركتُ أن اللحظات الأخيرة لا تُنسى أبدًا. هي التي تُختصر فيها الحكاية، وتُختتم بها الفصول، وتبقى كآخر صورة في ألبوم الذاكرة.

لذلك..!! حين ألتقي بمن أحب، أحرص أن يكون الوداع خفيفًا، جميلاً، دافئًا. وحين يثقل اللقاء بما لا يليق، و ألمس ما لا أحب، أو أرى موقفًا مُخذلًا ،أُغمض عينيّ بهدوء أبتسم و أنسحب دون ضجيج… لا هروبًا، بل حفاظًا على "اللقمة الأخيرة" نقية، صافية، لا تشوبها مرارة.

فالحياة ليست دائمًا فرصة لإعادة ترتيب اللقمة الأخيرة. فبعض الوداعات تأتي فجأة دون إنذار، دون وقتٍ كافٍ لنقول ما ينبغي أن يُقال. ولهذا..!! لا تؤجّلوا الحب. لا تؤجّلوا الكلمة الطيبة، لا تؤجّلوا الاعتذار لمن ظلمتموهم، فبعض القلوب ترحل قبل أن تسمع "آسف"،وبعض الفرص إن ضاعت لا تعود، ولا تسترخصوا قيمة الامتنان، ولا جمال الابتسامة ، خاصة في كنف الأسرة.

فالأسرة..!! ليست فقط من نعيش معهم، بل هي من يجب أن نُحسن إليهم قبل أن تصبح الذكريات هي كل ما نملك منهم. اجعلوا بيوتكم مليئة بالودّ، وأحاديثكم دافئة نابعة من قلب سليم، وختام كل يوم بينكم جميلاً ، فربما دون أن نشعر، نكون قد تناولنا آخر لقمة مع من نحب.

ودمتم سالمين.