لا يمكن قراءة الخطاب السياسي بوصفه مجرد نقل للأخبار أو التصريحات بل بوصفه بنية مركبة من الإقناع وإعادة تشكيل الوعي ومن هنا تبرز أهمية مفهوم البناء الحجاجي باعتباره الألية التي يعاد بها ترتيب الوقائع والأفكار بهدف الوصول إلى نتيجة سياسية تبدو منطقية في ظاهرها حتى وان كانت محل جدل في جوهرها البناء الحجاجي يمنح الخطاب السياسي قدرة على تنظيم الفكرة السياسية وتبسيطها وتحويل الأحداث المعقدة إلى سرد مفهوم وتقديم تفسير متماسك للواقع وهذا مهم في البيئات السياسية المضطربة حيث يصبح الجمهور في حاجة إلى خيط تفسير يربط الأحداث بعضها ببعض كما أنه يتيح إنتاج الشرعية عبر التفسير إذ لا تصنع الشرعية في السياسة الحديثة من النصوص القانونية فقط بل من التجربة والتاريخ والواقع الميداني والمظلومية أو الإنجاز.
وهنا يقوم البناء الحجاجي بدور الجسر بين الواقع والشرعية عبر تحويل الوقائع إلى أسباب والأسباب إلى حقوق سياسية كما يسمح للفاعل السياسي بإعادة تفسير الماضي وإعادة قراءة التحالفات وإعادة تعريف الهوية وهذا يمنح السياسة مرونة في التكيف مع التحولات دون الانفصال الكامل عن السياق.. لكن في المقابل يحمل هذا البناء إشكالات عميقة أبرزها الانتقائية في عرض الوقائع حيث يتم اختيار ما يخدم الفكرة وتجاهل ما يعارضها ليس بمعنى الكذب بل بمعنى إعادة ترتيب الحقيقة بدل عرضها كاملة وبذلك يتحول الخطاب من تفسير الواقع إلى هندسة الواقع ذهنيا.
كما تظهر فيه قفزات منطقية حين يتم الانتقال من المشاركة في حدث سياسي أو عسكري إلى استنتاج حق سياسي أو سيادي دون المرور بمراحل وسيطة كافية من التبرير القانوني أو المؤسسي وهذه القفزات تنتج خطابا مقنعا ظاهريا لكنه ضعيف من حيث الصرامة المنطقية.. ويبرز أيضا تحويل الهوية إلى أداة سياسية حين يتم توظيف التاريخ أو الجغرافيا أو الذاكرة الجمعية كأدوات إثبات لمشروع سياسي معاصر فيتحول الخطاب من تحليل إلى توظيف للهوية في خدمة السياسة مع ما يحمله ذلك من خلط بين ما هو كائن تاريخيا وما يجب أن يكون سياسيا.
كما قد يؤدي البناء الحجاجي إلى إغلاق مساحة النقد عندما تبدو النتيجة حتمية ويصبح الاعتراض عليها كأنه اعتراض على المنطق ذاته مما يضيق مساحة النقاش العام ويجعل الخطاب يقدم نفسه كاستنتاج نهائي لا كرأي قابل للنقاش.
ولا يكون كل بناء حجاجي دعاية لكن التحول يحدث عندما تصبح النتيجة مقدمة مسبقا وتستخدم الحجج فقط لتزيينها ويجري توظيف العاطفة والرمز اكثر من البرهان عندها لا يعود الهدف الإقناع بل التوجيه الذهني نحو خيار واحد محدد في كثير من الخطابات السياسية المعاصرة يتكرر نمط يقوم على حجة الواقع وحجة المظلومية أو الإنجاز وحجة التاريخ والهوية ثم النتيجة السياسية النهائية وهذا التسلسل يبدو منطقيا لكنه قد يستخدم لصناعة حتمية سياسية اكثر من كونه تحليلا محايدا للواقع.



















