> «الأيام» منصة سَدّ:

  • هل تطفئ أيادي العبث بريق "الفلامنجو" في بحيرات عدن؟
  • محميات الأراضي الرطبة في عدن من أهم المحميات في الإقليم
  • المحميات الطبيعية تحت وطأة التلوث والتعدي على الأراضي
تُمثل محمية بحيرات عدن بوصفها إحدى الأراضي الرطبة ذات الأهمية القصوى للمدينة الساحلية ركيزة متعددة الأبعاد؛ فهي لا تقتصر على كونها حديقة ساحلية طبيعية مفتوحة ذات بعد جمالي وسياحي فحسب، بل تضطلع أيضًا بأدوار اقتصادية وعلمية حيوية.

تتجلى القيمة الحقيقية للمحمية في أهميتها البيئية الفائقة وتنوعها الحيوي الفريد، حيث تُشكل نظامًا بيئيًا متكاملًا. هذه البحيرات هي موقع استراتيجي لتغذية أعداد وفيرة من الطيور المائية المهاجرة والمستوطنة.


علاوة على ذلك تعمل المحمية كحاضنة بحرية حيوية؛ إذ ترتادها الأسماك للتغذية والتكاثر ووضع البيض، لتتحول إلى أحواض طبيعية تغذي هجرة الأسماك اليافعة باتجاه مياه خليج التواهي. تستمد البحيرات استقلاليتها المائية من مياه البحر خلال فترات المد العالي، مما يُبقيها مصدرًا غنيًا بالأسماك، القشريات، والنباتات البحرية، وهي بيئة آمنة تشهد تواجد الطيور باستمرار على طول الجسر البحري. وانسجامًا مع هذه الأهمية، حظيت المحمية بجهود صيانة داعمة، حيث تم إعادة تأهيل وصيانة قنواتها الداخلية عبر، برنامج الموارد المستدامة لضمان تدفق مياه المد البحري إليها. 
  • سجل التنوع البيولوجي للمحمية 
تعد محميات الأراضي الرطبة في عدن من أهم المحميات على مستوى الوطن والإقليم، فهي تشكل تراثًا طبيعيًا غنيًا ذو أهمية اقتصادية واجتماعية وحيوية. هذه المحميات تضم مناطق حيوية لتغذية وحضانة الكائنات البحرية والنباتية كما أنها موطن لأعداد كبيرة من الطيور المهاجرة والمستوطنة.

أكد المهندس نيازي مصطفى محمود مدير عام الهيئة العامة لحماية البيئة فرع عدن، أن محمية بحيرات عدن المعروفة بـ "البجع" (البقع كما وردت في الأصل) تمثل ركيزة أساسية للتنوع الحيوي في المدينة، حيث تمتد في مديرية خور مكسر على مساحة إجمالية تقدر بـ 110 هكتارات، وقد تم اعتمادها وتصنيفها رسميًا كمحمية مخصصة للطيور المهاجرة.


وأوضح أن المحمية تستعد سنويًا لاستقبال مئات الأسراب من الطيور مع حلول فصل الشتاء (من شهر ديسمبر وحتى شهر مارس). وأشار إلى أن المحمية تزدان بأنواع نادرة، وفي مقدمتها طائر "الفلامنجو" الذي يتواجد بأعداد كبيرة جدًا، بالإضافة إلى طيور النورس، مما يعزز مكانة عدن كواحدة من أهم محطات استراحة الطيور المهاجرة في المنطقة.

وفي السياق العلمي، يصف البروفيسور شائف محمد قاسم، أستاذ كيمياء البيئة والتقييم البيئي بجامعة عدن، هذه البحيرات بأنها "قلب التوازن الأحيائي النابض" في مديرية خور مكسر، محذرًا من أن هذا النظام الحيوي يعاني اليوم من "اختناق كيميائي" حاد نتيجة تراكم الملوثات الصناعية والمنزلية التي تجاوزت قدرة البيئة على التنقية الذاتية.

تقع هذه المحميات في قلب مدينة عدن وتشمل أراضي رطبة طبيعية وأخرى اصطناعية. وقد تم تسجيلها ضمن أهم الأراضي الرطبة في اليمن والإقليم. وأعلنت الحكومة اليمنية رسميًا في عام 2008 عن خمس محميات للأراضي الرطبة في عدن هي (بحيرات عدن، المملاح، الحسوة، مصب الوادي الكبير، وخور بئر أحمد) بمساحة إجمالية تبلغ 2500 هكتار.

تتميز محميات الأراضي الرطبة في عدن بتنوع بيولوجي غني، حيث توفر بيئة مثالية لنمو العديد من النباتات ذات الأهمية البيئية والاقتصادية، مثل شجيرات العصل ونخيل البهش.

كما تضم هذه المحميات مجموعة متنوعة من الأحياء البرية، بما في ذلك الثعالب، الزواحف، الأرانب البرية، الحشرات، الخفافيش، والعقارب.

تعتبر هذه المحميات ملاذًا آمنًا للعديد من أنواع الطيور المستوطنة والمهاجرة، حيث توفر الغذاء والمأوى المناسبين.

وتضم هذه الطيور أنواعًا مهددة بالانقراض على المستوى العالمي والإقليمي، مثل النحام الصغير، النورس الأبيض العين، النورس الفاحم، والقطقاط المصري.


أيضًا تعتبر هذه المحميات منطقة مهمة لتجمع طيور الماء خلال فترات الهجرة وفصل الشتاء، مثل أبو منجل اللامع، البجع الأبيض، والنكات.

وتتميز محميات عدن الرطبة بأهمية حيوية وبحرية كبيرة، حيث تعتبر منطقة حضانة وتكاثر للأسماك والأحياء البحرية الأخرى. هذا الموقع المميز يوفر بيئة مناسبة لأنواع نادرة من الطيور المهددة بالانقراض.

تنتشر في هذه المحميات العديد من النباتات والحشائش البحرية التي تشكل مصدر غذاء أساسي للعديد من الكائنات الحية مثل القشريات، قنافذ البحر، الأسماك العاشبة، والحلزونيات.

وتوفر هذه النباتات ملاذًا آمنًا لصغار الأسماك والقشريات لتلعب هذه المحميات دورًا حاسمًا في دورة حياة العديد من أنواع الأسماك التي تهاجر إليها من المياه العميقة أثناء المد العالي، مما يؤكد اعتماد العديد من الأسماك على هذه المحميات لاستكمال دورة حياتها. 
  • ضغوط مستمرة 
رغم تصنيف بحيرات عدن كإحدى المناطق الحساسة بيئيًا ضمن خطة الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحلية، وإدراجها كأولوية في المخطط التوجيهي (Master Plan) لمدينة عدن (2005-2025م)، إلا أن واقعها اليوم يرزح تحت وطأة ضغوط بيئية خانقة. إذ تواجه البحيرات، وتحديداً "البحيرة الأولى" حصارًا من النفايات البلاستيكية والمخلفات الصلبة التي تتكدس في مناطق المد، تذروها الرياح أو تُلقى كجزء من عمليات الردم العشوائي وتصريف النفايات، مما يخنق رئة هذا المتنفس الطبيعي.

ولا تتوقف التهديدات عند التلوث، بل تمتد لتشمل الضجيج البشري؛ حيث تتحول مساحات المحمية أحياناً إلى ملاعب لكرة القدم، مما يقتحم سكون الطيور المائية ويقض مضاجعها. وتكتمل دائرة الاستنزاف بممارسات صيد جائر وغير مستدام، يُعد النشاط الاقتصادي الأبرز والأكثر ضررًا في الموقع.


فمن جانب يستخدم الصيادون معدات "غير رشيدة" كالشباك النايلونية ذات الفتحات الدقيقة (السلاليق)، التي تغتال الأسماك اليافعة في مهدها وتدمر مناطق الحضانة ووضع البيض. ومن جانب آخر، تتعرض المحمية لعمليات جمع مكثف ومفرط لنوع محدد من الرخويات ذات المصراعين (Tivela ponderosa)، مما يهدد التوازن البيئي الدقيق للموقع وينذر بانهيار السلسلة الغذائية في هذه "الكنوز البحرية".

ويضع البروفيسور شائف قاعدة بيئية صارمة أمام صناع القرار، مفادها أن 'البيئة تعطي بقدر ما نحترم قوانينها'، مؤكدًا أن الاستمرار في استخدام هذه المحميات كمكبات للمخلفات السائلة والصلبة يتناقض كليًا مع أي توجه لتحويلها إلى وجهات سياحية، حيث لا يمكن انتظار نتائج بيئية إيجابية من نظام بيئي يتم التعامل معه كمقب للنفايات. 
  • ترسانة قانونية تصطدم بعقبات الواقع 
يؤكد فهد محمد سعيد المستشار القانوني للهيئة العامة لحماية البيئة أن حماية الأراضي الرطبة في عدن ليست مهمة فردية، بل هي مسؤولية تضامنية تقع على عاتق وزارة المياه والبيئة، السلطة المحلية، الهيئة الإدارية للمحميات، وصولاً إلى منظمات المجتمع المدني والمجتمع المحلي.

ويشير سعيد إلى أن هذه المحميات تستند إلى إطار قانوني وطني ودولي متين؛ يرتكز محليًا على قانون حماية البيئة رقم 26 لسنة 1995 وقانون المياه رقم 33 لسنة 2000بالإضافة إلى قوانين الزراعة والثروة السمكية المنظمة للموارد الطبيعية. أما دولياً، فتتعزز الحماية باتفاقيات عالمية كاتفاقية "رامسار" للأراضي الرطبة واتفاقية التنوع البيولوجي.

ورغم هذه "الترسانة القانونية" يقر المستشار القانوني بأن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يواجه فجوة كبيرة؛ إذ تصطدم جهود الحماية بعقبات هيكلية ولوجستية، أبرزها شح التمويل، ضعف الكوادر الفنية، والآثار المدمرة للحروب والصراعات، فضلاً عن تحديات الفساد الإداري والمالي.


ولردم هذه الفجوة، يطرح سعيد خارطة طريق شاملة تتضمن آليات فعالة كالإدارة الرشيدة للمحميات، الرقابة الصارمة على الأنشطة البشرية، وتكثيف التوعية المجتمعية بالتوازي مع تعزيز الشراكات الدولية.

وفي مواجهة التعديات والتصرفات غير المشروعة في أراضي المحميات، يدعو لتشكيل لجان تحقيق مشتركة تمتلك صلاحية اتخاذ الإجراءات القانونية لاستعادة الأراضي المنهوبة.

ويختتم توصياته بالتشديد على ضرورة توفير التمويل المستدام، تأهيل الكوادر، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، مع اعتبار إشراك المجتمع المدني ركيزة أساسية في منظومة الحماية. 
  • صرخة تحذير 
يقرع أحمد سعيد سليمان السقطري، مسؤول نقطة اتصال الأراضي الرطبة، ناقوس الخطر محذرًا من تهديدات وجودية تحاصر محميات عدن من زحف العمراني غير المنضبط، التلوث الصناعي والمنزلي، إلى جانب الصيد الجائر، تكاتفت جميعها لتدمير أجزاء واسعة من هذه النظم البيئية الحساسة. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تفاقم أزمة تغير المناخ وغياب الردع القانوني الصارم، مما ينذر بفقدان هذا "الكنز الطبيعي" للأبد.

ويسلط السقطري الضوء على القيمة المزدوجة لهذه المحميات؛ فهي ليست مجرد وجهة سياحية كانت تجتذب آلاف الزوار قبل أن ينهك الصراع بنيتها التحتية، بل هي موئل حيوي لأنواع نباتية وحيوانية نادرة، ورئة تنظم المناخ وتنقي المياه.

ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يطالب المسؤول البيئي بحزمة إجراءات متضافرة تبدأ بإعادة التأهيل البيئي، وتفعيل النصوص القانونية، مروراً بتعزيز الوعي وتطوير سياحة مستدامة.

ويمتد نظره إلى ضرورة بناء تحالفات دولية وإشراك المجتمع المحلي كخط دفاع أول في جهود الحفاظ.


وعلى الصعيد التقني، يشدد السقطري على حتمية تبني حلول هندسية متكاملة، تشمل تحديث شبكات الصرف الصحي، وتشييد حواجز مانعة للتلوث، بالتوازي مع توظيف التكنولوجيا الحديثة كأنظمة الاستشعار عن بعد والإنذار المبكر.

ويختتم رؤيته بالتأكيد على ضرورة تحقيق التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، عبر نهج شمول يدمج التخطيط السليم، التكنولوجيا النظيفة، والتمويل الدولي لضمان استدامة هذه الثروة. 
  • الملاذ الأخير 
في تحذير صريح، ينبه الدكتور جمال باوزير، خبير البيئة البحرية، من الانحدار المقلق لحالة محميات الأراضي الرطبة في عدن، واصفاً إياها بالملاذ الأخير للعديد من الطيور المهاجرة والمهددة بالانقراض. ويرسم باوزير صورة قاتمة للوضع الحالي، حيث تقع المحميات تحت وطأة "ثالوث الخطر"( التلوث، التعدي على الأراضي، والصيد الجائر) ما أحدث شرخاً عميقاً في التنوع البيولوجي للمنطقة.

ويلفت الخبير الانتباه إلى فجوة معرفية خطيرة تتمثل في ندرة الدراسات والأبحاث، مما يُعقد عملية تقييم الوضع الحقيقي، معتبراً أن غياب الرقابة والتخطيط السليم كانا المعول الأساسي في تدهور هذه المواقع. ولا تقتصر أهمية هذه المحميات على كونها محطة آمنة لتغذية وتكاثر الطيور فحسب، بل تلعب دورًا محوريًا في صون التوازن البيئي وحماية السواحل من التآكل.

وللخروج من هذا النفق المظلم، يرى البروفيسور شائف قاسم أن استعادة بريق البحيرات تتطلب حلولاً هندسية فورية تضمن تجديد المياه وربطها الفعال بحركة المد البحري لمنع تركز السموم، مشدداً على ضرورة البدء الفوري بإنشاء محطات معالجة ثلاثية (فيزيائية، كيميائية، وحيوية) كشرط أساسي للاستدامة. 
  • بوابة التمويل الدولي 
يرى المهندس طارق حسان، خبير التغيرات المناخية والتنمية المستدامة، في التمويل الدولي "طوق نجاة" وفرصة ذهبية لليمن لحماية أراضيها الرطبة وتعزيز تنوعها البيولوجي.

ويدعو حسان إلى صياغة مشاريع استراتيجية واضحة المعالم تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة العالمية، مؤكداً أن الطريق لجذب هذا الدعم يمر عبر بناء شراكات فاعلة مع المنظمات الدولية والمجتمع المدني.

ويشدد الناشط البيئي على ضرورة تأهيل المؤسسات المحلية ورفع قدراتها التنافسية لانتزاع هذه المنح، معتبرًا مؤتمر التصحر (COP16) منصة انطلاق مثالية لطرح الرؤى اليمنية وحشد الدعم العالمي.

وتكمن الاستفادة القصوى من هذه التمويلات في تقديم مقترحات مبتكرة لا تكتفي بحماية التنوع البيولوجي فحسب، بل تعزز أيضًا دور المجتمعات المحلية في صون الأراضي الرطبة، مما يؤسس لإدارة بيئية مستدامة قادرة على ابتكار حلول للتحديات الوطنية طويلة الأمد.

وبالتوازي مع الحلول المالية، يطلق حسان تحذيرًا شديد اللهجة من التداعيات المتسارعة للتغيرات المناخية، وتحديدًا على محميات عدن الرطبة.

فارتفاع درجات الحرارة، اضطراب مواسم الأمطار، وتكرار كوارث الجفاف والفيضانات، جميعها عوامل تهدد بانهيار هذه المحميات التي تُعد "خط الدفاع الأول" ضد الفيضانات وحاضنة التنوع الحيوي.

وينبه الخبير إلى أن تدهور هذه النظم الطبيعية لن يمر دون ثمن، بل سيؤدي إلى تفاقم آثار الظواهر المناخية المتطرفة، كارتفاع منسوب سطح البحر، ويدفع بالعديد من الأنواع الحية نحو حافة الانقراض. 
  • مستقبل بريق عدن مرهون بالإجراءات 
تلعب المحميات الرطبة في عدن دورًا حيويًا في حماية البيئة حيث تعمل على تقليل تلوث المياه البحرية الناتج عن تدفق المياه العادمة، وتعمل كحاجز طبيعي يحمي من الأمواج المدية والارتفاع المفاجئ لمستوى سطح البحر.

بالإضافة إلى قيمتها البيئية، تعد هذه المحميات مقصدًا سياحيًا جذابًا، حيث توفر فرصة لمشاهدة الطيور والتعرف على التنوع البيولوجي الغني.

كما تمثل هذه المحميات نموذجًا للاستفادة من المياه العادمة المعالجة، وتتميز بإرث تاريخي عريق، مثل طواحين الهواء في محمية المملاح.

تساهم هذه المحميات في تحسين الوضع الاقتصادي للمجتمع المحلي، حيث توفر فرص عمل في مجالات الصيد، الزراعة، تربية الماشية، وصناعة المنتجات التقليدية. ومع ذلك، تواجه هذه المحميات العديد من التحديات، أبرزها الزحف العمراني، الردم العشوائي، وصيد الطيور، مما يضع بريق هذه الكنوز البحرية على المحك. 
  • خارطة طريق للإنقاذ 
ويحدد البروفيسور شائف محمد قاسم ثلاث ركائز للتنفيذ الفوري لضمان بقاء هذه الكنوز: أولًا، المعالجة العلمية العميقة لمياه الصرف قبل وصولها للمحمية؛ ثانيًا، اعتماد المكافحة البيولوجية للحشرات بدلًا من الرش الكيميائي الجائر؛ وثالثًا، انتزاع قرار سيادي يمنع تحويل المحميات إلى مقالب للنفايات، لضمان استمرار دورها كـ 'رئة' للمدينة ومصد طبيعي يحمي السواحل من الفيضانات.

* «سَدّ SADD»، منصة إعلامية رقمية متخصصة تُعنى بقضايا المناخ، البيئة والاستدامة، تتبع مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf).