الجنوب العربي ليس اختراعًا سياسيًا بل حقيقة جغرافية، تاريخية وثقافية.

يثير اسم الجنوب العربي، واعتماده شعبيًا ورسميًا، حساسية لدى اليمنيين والمُتَيَمْنِنين من الجنوبيين، وهو ما يستدعي التذكير بأن هناك أجيالًا لا تزال تتذكر التاريخ الحديث، وتعرف ما حاولت الجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي اليمني طمسه أو إعادة تشكيله.

كتب الأخ عيدروس النقيب مقالًا نُشر في موقع صحيفة"الأيام" يوم الجمعة الماضية، بعنوان "همس اليراع"، حاول فيه تقديم مسألة يمننة الجنوب العربي وكأنها حقيقة تاريخية ثابتة لا تقبل النقاش، بينما الحقيقة أن هذه القضية نفسها معروفة للداني والقاصي، حيث كانت موضع خلاف حاد حتى داخل مفاوضات الاستقلال عام 1967، وهو ما تكشفه وثائق الاستقلال البريطانية ذاتها، لا الروايات السياسية اللاحقة.

فالوثيقة الرسمية الخاصة باستقلال الجنوب، والمعنونة بـاستقلال الجنوب العربي، كانت تشير بوضوح إلى أن الأرض التي تنسحب منها بريطانيا هي أرض الجنوب العربي، وليس اليمن الجنوبي أو حتى جنوب اليمن. بل إن محاضر النقاشات المرفقة بالوثيقة تُظهر أن إدخال مصطلح اليمن الجنوبي جاء نتيجة إصرار بعض ممثلي الجبهة القومية ليلة 29 نوفمبر 1967، لا باعتباره تعبيرًا عن إرادة شعبية عامة أو استفتاء وطني شامل.

وهنا يكمن جوهر القضية؛ فالهوية لا تُفرض بقرار من مجموعة سياسية، ولا تُصاغ تحت ضغط لحظة ثورية أو توازنات إقليمية، بل تنبع من التاريخ والوعي الجمعي والثقافة السياسية للمجتمع. والجنوب، تاريخيًا، لم يكن يعرف نفسه بوصفه يمنيًا بالمعنى السياسي الحديث الذي تشكّل في اليمن خلال القرن العشرين، بل كانت له كياناته وسلطناته ومساراته السياسية المختلفة، كما كان معروفًا دوليًا باسم الجنوب العربي حتى لحظة الاستقلال.

ثم إن الجبهة القومية نفسها لم تصل إلى السلطة عبر تفويض شعبي شامل، وإنما عبر القوة المسلحة، وفي سياق إقليمي ودولي معقّد رافق مرحلة تصفية الاستعمار، قبل أن تقوم بإقصاء معظم القوى الجنوبية الأخرى، من جبهة التحرير إلى السلاطين ورابطة أبناء الجنوب العربي والقيادات التقليدية والرموز الوطنية. وقد تعرّض كثير منهم للاغتيال، الإخفاء، السجن، أو النفي خارج الوطن، وصودرت ممتلكاتهم، وتم تخوينهم لعقود. وبالتالي، فإن تحويل خيار سياسي تبنّته مجموعة منتصرة عسكريًا ممثلة في الجبهة القومية ولاحقًا الحزب الاشتراكي إلى حقيقة تاريخية مقدسة، هو تجاهل لطبيعة تلك المرحلة وصراعاتها.

أما الحزب الاشتراكي اليمني، الذي ينتمي إليه الأخ عيدروس ويمثله في البرلمان اليمني المنتهية ولايته، فقد حكم الجنوب بعقيدة أيديولوجية مغلقة لم تكن تمثل بالضرورة المزاج الاجتماعي والثقافي لغالبية شعب الجنوب. كما أن عدد أعضاء الحزب في أوج حضوره قبل الانقسامات تراوح بين 30 و36 ألف عضو مقارنة بملايين السكان، والذي لم يكن يعكس تفويضًا شعبيًا مفتوحًا لإعادة تشكيل الهوية والتاريخ والانتماء. فهل من المنطقي أن تعيد مجاميع أيديولوجية تعريف شعب كامل لعقود، ثم يُطلب من الأجيال اللاحقة التسليم بذلك بوصفه قدرًا وطنيًا لا يقبل المراجعة؟

ثم إن ثمة تناقضًا سياسيًا واضحًا لدى الأخ عيدروس لا بد من التوقف عنده: إذا كان الجنوبيون شعبًا يمنيًا كما تصرّون في الحزب الاشتراكي فعلى أي أساس تُطرح اليوم مشاريع دولتين، أو فيدرالية، أو فك ارتباط، وهي مشاريع كنتم، ولا تزالون، من أبرز الداعين إليها؟ وكيف يصبح الاستقلال مشروعًا سياسيًا عادلًا إذا كانت الهوية واحدة ونهائية ولا تقبل التعدد؟

الحقيقة أن الاعتراف بخصوصية الجنوب السياسية والتاريخية والثقافية هو المدخل الطبيعي لفهم القضية الجنوبية، لا محاولة إذابتها داخل سردية يمنية حديثة التكوين.

إن الدولة الجنوبية، إن كُتب لها أن تقوم مجددًا، لا يمكن أن تُبنى على ارتباك الهوية، أو على استعارة سرديات لم تتجذر تاريخيًا في وعي المجتمع الجنوبي. فالدول تحتاج إلى هوية جامعة نابعة من تاريخها الحقيقي، لا من إعادة هندسة سياسية فرضتها مرحلة أيديولوجية عابرة.

ولهذا، فإن النقاش اليوم لم يعد مجرد خلاف حول تسمية، بل أصبح سؤالًا أعمق: من يملك حق تعريف الجنوب؟ أهو التاريخ الحقيقي لشعبه؟ أم الحزب الاشتراكي اليمني الذي حكمه في مرحلة تاريخية معينة بكل ما حملته من صراعات وإقصاء؟ هذا هو السؤال الذي لا يزال كثيرون يتجنبون مواجهته.