منذ أربعة أشهر كاملة أُطلقت الدعوات لعقد “حوار جنوبي – جنوبي” في الرياض، وجرى الترويج له وكأنه بوابة الخلاص ومشروع الإنقاذ السياسي للجنوب، لكن حتى هذه اللحظة لم تتشكل لجنة تحضيرية، ولم تُعلن رؤية واضحة، ولا أهداف محددة، ولا جدول أعمال، ولا حتى معايير لمن سيشارك ومن سيُستبعد.
أربعة أشهر مضت، ولم يسمع الناس سوى الشعارات والتصريحات الفضفاضة، وكأن القضية الجنوبية اختُزلت في بيانات إعلامية ومؤتمرات صحفية، بينما الواقع يقول إن الدعوة لم تكن سوى محاولة لامتصاص الغضب الشعبي الذي تصاعد عقب أحداث حضرموت والمهرة، ومحاولة لاحتواء حالة الرفض والتذمر التي بدأت تتسع في الشارع الجنوبي.
فالحوار الحقيقي لا يُدار بردود الأفعال، ولا يُستخدم كمسكن سياسي مؤقت عند كل أزمة، بل يكون مشروعًا وطنيًا جادًا يقوم على الشفافية والوضوح والإرادة الصادقة.
ومن أراد فعلًا حوارًا جنوبيًا مسؤولًا، فعليه أولًا أن يحترم الجنوب وأهله، وأن يدرك أن الحوارات المصيرية لا تُصنع في فنادق الخارج، ولا تُدار تحت سقوف الوصاية والارتهان، بل تنطلق من أرض الجنوب نفسها، وبين أبنائه، وبإرادة حرة مستقلة.
فالجنوب ليس قاعة في فندق، وليس صورة جماعية لقيادات متنازعة، بل شعب له قضية وتضحيات وحق في أن يكون صاحب القرار الأول والأخير.
إن أي حوار لا ينطلق من عدن، أو المكلا، أو المهرة، أو شبوة، أو أبين، أو لحج ، ولا يلامس هموم الناس الحقيقية، سيظل مجرد فعالية سياسية بلا روح، ونسخة مكررة من اللقاءات التي أُرهق بها الشعب دون أن يرى منها نتيجة واحدة على الأرض.
لقد تعب الناس من الحوارات الشكلية، ومن تحويل القضايا الوطنية إلى مواسم للمجاملات وتقاسم النفوذ، بينما الجنوب يغرق في الأزمات الأمنية والاقتصادية والخدمية.
إن الحوار الحقيقي يبدأ بالصدق مع الناس، والاعتراف بالفشل، واحترام التعدد السياسي والاجتماعي، ورفض سياسة الإقصاء والتخوين، لا بمحاولة فرض أمر واقع تحت لافتة"الحوار".



















