منذ يناير وحتى اليوم، وعلى امتداد أشهر ليست بالقصيرة، عبّر الشارع الجنوبي بوضوح عن موقفه تجاه التحولات التي تشهدها الساحة في الجنوب العربي. فقد أظهرت المليونيات المتواصلة والزخم الشعبي المتصاعد أن المزاج العام لا يرى في كثير من الإجراءات والتغييرات الجارية ما يخدم تطلعاته أو يصب في مصلحة قضيته العادلة. وهذا في حد ذاته مؤشر بالغ الدلالة؛ فالشعوب تمتلك دائماً حدساً سياسياً عميقاً وشعوراً فطرياً يمكّنها من استشعار ما ينسجم مع مصالحها وما يتعارض معها.
لقد أثبت الجنوبيون، عبر سنوات النضال والتضحيات، أنهم راكموا وعيًا سياسيًّا ووطنيًّا عميقًا مكّنهم من قراءة الأحداث وتقييم المواقف واختبار صدق قياداتهم. وهم يمنحون ثقتهم لمن يعبر عن تطلعاتهم، لكنهم لا يترددون في سحبها متى ما ساورهم الشك في صدق النوايا. ولذلك صعدت شخصيات إلى الواجهة ثم تراجعت سريعاً عندما فقدت صلتها الحقيقية بالشارع وقضيته.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض لم يكن يوماً على التغيير في حد ذاته، بل على غياب ما يطمئن المواطن الجنوبي إلى أن ما يجري يصب في مصلحة قضيته، ويعزز حضوره السياسي والإداري والعسكري على الأرض، ويمكّنه من إدارة شؤونه ومناطقه بما ينسجم مع إرادته.
ولو أن القوى المؤثرة على الأرض انتهجت سياسات أكثر انسجاماً مع الإرادة الشعبية، ومكّنت الجنوبيين من إدارة مؤسساتهم المدنية والعسكرية بصورة تعكس تطلعاتهم، لما شهدنا هذا الحضور الجماهيري اللافت الذي استمر من يناير إلى مايو بزخم استثنائي يؤكد حجم القلق الشعبي واتساع دائرة عدم الرضا.
أما أولئك الذين يحاولون استثمار الظروف الراهنة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، فإنهم يدركون قبل غيرهم أن حضورهم في الوعي العام الجنوبي محدود ومؤقت، وأن كثيراً منهم باتوا في نظر غالبية الجنوبيين أوراقًا محروقة أو في طريقها إلى الاحتراق، مهما بدا لهم أنهم يحققون نفوذاً عابراً.
كما أن تدخلات الأطراف الأخرى، مهما كانت أهدافها، لن تنجح ما لم تستند إلى حلول واقعية تقوم على التوازن والشراكة. وكان بالإمكان الوصول إلى صيغة أكثر استقراراً تحفظ مصالح الجميع، وتمنح الجنوبيين شعوراً بأنهم شركاء حقيقيون في رسم مستقبلهم.
لقد أثبت التاريخ القريب أن نهج فرض الأمر الواقع بالقوة لا يصنع استقراراً دائماً. فمنذ حرب صيف 1994 فُرضت معادلات سياسية وعسكرية بالقوة، لكن النتائج النهائية أكدت أن القضايا العادلة لا يمكن تجاوزها أو إخمادها، وأن إرادة الشعوب تظل العامل الحاسم في تقرير مصيرها.
ومن هنا، فإن الاستماع إلى الوعي الجنوبي واحترام إرادة أبنائه يمثلان المدخل الطبيعي لأي حلول واقعية ومستدامة. فما لا يُبنى على ثقة الناس وتطلعاتهم لن يُكتب له النجاح، مهما امتلك من أدوات القوة أو حظي من دعم خارجي.
لقد أثبت الجنوبيون، عبر سنوات النضال والتضحيات، أنهم راكموا وعيًا سياسيًّا ووطنيًّا عميقًا مكّنهم من قراءة الأحداث وتقييم المواقف واختبار صدق قياداتهم. وهم يمنحون ثقتهم لمن يعبر عن تطلعاتهم، لكنهم لا يترددون في سحبها متى ما ساورهم الشك في صدق النوايا. ولذلك صعدت شخصيات إلى الواجهة ثم تراجعت سريعاً عندما فقدت صلتها الحقيقية بالشارع وقضيته.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض لم يكن يوماً على التغيير في حد ذاته، بل على غياب ما يطمئن المواطن الجنوبي إلى أن ما يجري يصب في مصلحة قضيته، ويعزز حضوره السياسي والإداري والعسكري على الأرض، ويمكّنه من إدارة شؤونه ومناطقه بما ينسجم مع إرادته.
ولو أن القوى المؤثرة على الأرض انتهجت سياسات أكثر انسجاماً مع الإرادة الشعبية، ومكّنت الجنوبيين من إدارة مؤسساتهم المدنية والعسكرية بصورة تعكس تطلعاتهم، لما شهدنا هذا الحضور الجماهيري اللافت الذي استمر من يناير إلى مايو بزخم استثنائي يؤكد حجم القلق الشعبي واتساع دائرة عدم الرضا.
أما أولئك الذين يحاولون استثمار الظروف الراهنة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، فإنهم يدركون قبل غيرهم أن حضورهم في الوعي العام الجنوبي محدود ومؤقت، وأن كثيراً منهم باتوا في نظر غالبية الجنوبيين أوراقًا محروقة أو في طريقها إلى الاحتراق، مهما بدا لهم أنهم يحققون نفوذاً عابراً.
كما أن تدخلات الأطراف الأخرى، مهما كانت أهدافها، لن تنجح ما لم تستند إلى حلول واقعية تقوم على التوازن والشراكة. وكان بالإمكان الوصول إلى صيغة أكثر استقراراً تحفظ مصالح الجميع، وتمنح الجنوبيين شعوراً بأنهم شركاء حقيقيون في رسم مستقبلهم.
لقد أثبت التاريخ القريب أن نهج فرض الأمر الواقع بالقوة لا يصنع استقراراً دائماً. فمنذ حرب صيف 1994 فُرضت معادلات سياسية وعسكرية بالقوة، لكن النتائج النهائية أكدت أن القضايا العادلة لا يمكن تجاوزها أو إخمادها، وأن إرادة الشعوب تظل العامل الحاسم في تقرير مصيرها.
ومن هنا، فإن الاستماع إلى الوعي الجنوبي واحترام إرادة أبنائه يمثلان المدخل الطبيعي لأي حلول واقعية ومستدامة. فما لا يُبنى على ثقة الناس وتطلعاتهم لن يُكتب له النجاح، مهما امتلك من أدوات القوة أو حظي من دعم خارجي.



















