لم يكن إيوان كسرى مجرد جدران شاهقة أو قاعة ملكية عظيمة بل كان اختبارا لفكرة السلطة حين تواجه أثرا أقدم منها وأبقى فحين وقف الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أمام ذلك البناء الهائل لم يكن ينظر إلى حجارة صامتة بل إلى رمز يتجاوز الزمن رمز يقول إن الدول مهما تعاقبت تظل عاجزة عن محو كل ما سبقها.. في تلك اللحظة ظهر رأيان .. رأي يرى أن بقاء الإيوان شهادة انتصار للعرب الذين دخلوا المدائن و غلبوا ملك الفرس ورأي آخر أراد إزالة الأثر حتى لا يبقى شاهد ينازع الدولة الجديدة حضورها وهيبتها وبين الرأيين تحركت السلطة مدفوعة بما يصيب الحكام أحيانا من رغبة في إثبات القدرة ولو عبر معركة مع الحجر.

لكن الإيوان لم يكن سهل الانقياد استعصى على النار والخل وعلى الأيدي التي أرادت إسقاطه و كلما اشتدت محاولات الهدم بدا البناء أكثر صلابة حتى تحولت القضية من قرار إداري إلى معركة كرامة وهيبة ورأي متصلب لا يريد الاعتراف بأن بعض الأشياء لا تدار بالعناد.

هذه الحكاية القديمة تبدو قريبة من مدننا اليوم وخصوصا عدن المدينة التي لم تكن يوما مجرد مساحة جغرافية بل إيوانا مفتوحا على البحر والتاريخ والتنوع و الذاكرة مدينة تعاقبت عليها سلطات و أفكار و مشاريع كبرى وكل سلطة ظنت أنها قادرة على إعادة تشكيلها وفق رغبتها الخاصة أو محو ما لا ينسجم مع تصورها للحكم و الهوية والنفوذ.

وفي كل مرة كانت المشكلة تبدأ من تصلب الرأي ومن الاعتقاد أن القوة وحدها تكفي وأن المدينة يمكن أن تدار بمنطق الغلبة لا بمنطق التوازن فكم من مشروع دخل عدن وهو يظن أنه يملك الحقيقة الكاملة ثم اصطدم بطبيعة المدينة المركبة و تاريخها الاجتماعي وبذاكرة ناسها التي لا تهدم بسهولة وكم من قرار اتخذ بدافع إثبات الحضور السياسي أكثر من مراعاة أثره على الناس والمكان.. الإيوان هنا ليس مبنى أثريا فقط بل رمز لكل ما يبقى رغم محاولات التغيير القسري قد يكون حيا قديما أو معلما أو فكرة راسخة في وجدان الناس أو حتى روح مدينة اعتادت أن تكون أكبر من الحكام العابرين..المدن العظيمة لا تدار بالرغبات الشخصية ولا بردود الأفعال ولا بعقلية الهدم لإثبات السيطرة.

وعدن تحديدا دفعت أثمانا باهظة كلما تحولت الخلافات السياسية فيها إلى محاولات اقتلاع متبادل اقتلاع للذاكرة أو للشركاء أو للحقوق أو حتى لصورة المدينة التي عرفها أهلها وكل طرف كان يظن أنه حين يهدم ما قبله فإنه يؤسس لمرحلة أقوى بينما الحقيقة أن المدن حين تستنزف بالصراع تفقد شيئا من روحها كل مرة.. وربما كانت الحكمة التي لم ينتبه لها المنصور مبكرا أن بقاء بعض الآثار لا يضعف الدولة بل يمنحها نضجا وثقة فالقوي ليس من يهدم كل ما أمامه بل من يستطيع التعايش مع التاريخ دون خوف منه أما السلطة القلقة فهي التي ترى في كل أثر سابق تهديدا وفي كل رأي مختلف خصومة وفي كل رمز مستقل مشروع تحد يجب كسره.. لهذا بقي الإيوان واقفا رغم ما أصابه وبقيت عدن أيضا رغم ما مر عليها نصفها أطلال ونصفها ذاكرة مفتوحة على الأمل وفي الحالتين تظل الرسالة واحدة.

إن تصلب الرأي قد يبدأ قرارا سياسيا صغيرا لكنه يتحول مع الوقت إلى معول يضرب المدن والدول والناس معا .