عدن تبكي حظها، ليس لأنها مدينة اعتادت الشكوى، بل لأنها مدينة اعتادت أن تكون أكبر من جراحها، فإذا بها اليوم تُثقل بآلام لا تشبه تاريخها ولا تليق بمكانتها. هذه المدينة التي كانت يومًا بوابة العالم إلى الجنوب، وميناءً مفتوحًا على التجارة والثقافة والتنوع، تجد نفسها محاصرة بأزمات متشابكة، سياسية واقتصادية وخدمية، حتى صار البكاء فيها لغة يومية تختصر وجع الناس أكثر مما تفعله الخطب والشعارات.

عدن لا تبكي فقرًا فحسب، بل تبكي اختلالًا عميقًا في إدارة واقعها، حيث تتنازعها القوى، وتتقاطع فيها المشاريع، ويضيع المواطن بين وعود لا تتحقق وخدمات تتدهور يومًا بعد آخر. الكهرباء التي كانت من أبسط حقوق الحياة تحولت إلى معاناة يومية، والمياه التي كانت تصل البيوت بلا عناء أصبحت حلمًا في كثير من الأحياء، أما العملة المنهارة فقد أكلت ما تبقى من قدرة الناس على الصبر، فصار الراتب لا يكفي لأيام، والحياة تُدار بمنطق الترقب والخوف من الغد.

لكن وجع عدن لا يمكن اختزاله في الجانب الخدمي وحده، فهناك شعور عميق بالخذلان يتسلل إلى النفوس، خذلان من واقع لم يُصنع بإرادة أبنائها وحدهم، بل بتشابك عوامل داخلية وخارجية جعلت المدينة ساحة أكثر منها عاصمة. هذا الشعور يتعزز مع كل تأخر في الحلول، ومع كل صراع سياسي يُدار على حساب الناس، ومع كل مرة يُطلب فيها من المواطن أن يتحمل أكثر دون أن يرى مقابلاً لذلك التحمل.

عدن تبكي أيضاً لأن صورتها التي كانت عنواناً للمدنية والتعايش تتآكل، ليس بسبب أهلها، بل بسبب ظروف فرضت عليها أن تنشغل بالبقاء بدلاً من البناء. المدينة التي كانت تجمع المختلفين تحت سقف واحد، أصبحت اليوم تعاني من انقسامات وتوترات تهدد نسيجها الاجتماعي، وكأنها تدفع ثمن موقعها وتاريخها في آن واحد. ومع ذلك، فإن ما يميز عدن أنها رغم كل هذا لا تزال تقاوم السقوط الكامل، فالحياة فيها لم تتوقف، والناس ما زالوا يخلقون من الأمل مساحات صغيرة يعيشون فيها.

وفي عمق هذا المشهد، يظهر سؤال جوهري: هل ما تعيشه عدن قدر محتوم أم نتيجة خيارات يمكن تصحيحها؟ الواقع يقول إن جزءاً كبيراً من الأزمة هو نتاج غياب رؤية واضحة لإدارة المدينة، وغياب تنسيق حقيقي بين القوى المؤثرة، إضافة إلى ارتهان القرار في كثير من الأحيان لعوامل خارجية لا تضع مصلحة المواطن في المقدمة. وهذا ما يجعل الحلول المؤقتة مجرد مسكنات لا تعالج أصل المرض.

عدن لا تحتاج إلى تعاطف بقدر ما تحتاج إلى مشروع حقيقي يعيد لها دورها ويستثمر موقعها وإمكاناتها. تحتاج إلى إدارة كفؤة تضع الخدمات أولوية، وإلى استقرار سياسي يخفف من حدة الصراعات، وإلى رؤية اقتصادية تعيد تحريك عجلة الحياة. فهذه المدينة ليست فقيرة في مواردها، لكنها تعاني من سوء توظيف تلك الموارد ومن بيئة غير مستقرة تعرقل أي محاولة للنهوض.

ورغم كل هذا السواد، فإن البكاء الذي تعيشه عدن ليس نهاية الحكاية، بل قد يكون بداية وعي جديد بضرورة التغيير. فالتاريخ يقول إن هذه المدينة مرت بمحطات أصعب وخرجت منها، وأن قوتها الحقيقية تكمن في أهلها وقدرتهم على التكيف والصمود. لكن هذا الصمود لا يجب أن يُستنزف بلا أفق، بل يجب أن يُترجم إلى خطوات عملية تعيد لعدن مكانتها وتخفف عن أهلها هذا الثقل الذي طال أمده.

عدن تبكي حظها اليوم، لكنها في عمقها ما زالت مدينة ترفض أن تستسلم، مدينة تعرف أنها تستحق أفضل مما تعيشه، وأن بكاءها، مهما طال، لا يمكن أن يكون قدرها الأخير وفوق هذا وذاك يرغبون في الاحتفال بوحدة قد ماتت في وجدان الشعب.



*رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي