كانت القراءة أكسجين ثان يتنفسه العقل كما تفعل الرئة ولكن بشكل مغاير.

وكانت الطفولة مشبعة بفراءة كل ما تقع عليه العين، القرآن الكريم في صدارة ما تقومت به اللسان واستقامت عليه الأخلاق.

وكانت بواكير النضوج تتكشف لدينا كجيل عن حالة ثقافية مغلقة تقودها سلطة التنظيم الحاكم وتتمحور في أيديولوجية غريبة عنا، ولكنها هي النسيج العام لسياسة الدولة، أو هي البناء الفوقي للسلطة كما يحب أن يقول الماركسيون، وبمقتضاها تسير سياسة الدولة.

إذا لا جدوى من أن تجد فرصا حقيقية لبناء الذات ثقافيا من معجون السلطة الثقافي أو الإعلامي.

لكن - ورغم ذلك - كانت كوة من الضوء تدخل من نافذة ( العربي ) المجلة الشاملة التي أهدتها الكويت للوطن العربي دون مقابل تقريبا. ولأن سياسة المجلة تتحاشى السياسة و تحديدا سياسات الأنظمة العربية فقد دخلت كل بيت عربي من طنجة إلى المنامة و من حلب إلى عدن، وصارت زادا ثقافيا لا غنى للشباب عنه مطلع كل شهر.

وكلما تصعدنا"الأيام" بتعاقبها المنتظم؛ إلى مرحلة اعلى في سلم الحياة، كأن نجتاز الإعدادية إلى الثانوية، سنجد أن ذخيرتنا قد كبرت بفرسان (العربي) د. أحمد زكي الموسوعة التي تتحرك على قدمين، وكتيبة متقدمة من كبار الكتاب العرب.

ثم نهتدي إلى حزمة ضوء أخرى؛ قد لا يفطن إليها إلا رواد المكتبات حين سمح لمجلة (روز اليوسف) المصرية اليسارية ؛ وإلى جانب شقيقتها (صباح الخير)، بالدخول الآمن إلى المكتبات، لميزة التقارب الأيدلوجي بين صلاح حافظ المصري و فريقة مع نظرائهم في عدن على قاعدة الماركسية؛ وعلى رأسهم عبدالفتاح إسماعيل و زكي بركات ومحمد علي الشهاري والحبيشي وفريد بركات وبشر وإسماعيل الشيباني وفاروق رفعت وعبدالرزاق شائف.. إلخ .

كنا مفتونين بأسلوب صلاح حافظ وما يقدمه من قضايا معقدة لا تثير غضب السادات، من سلاستها ربما، وكيف يستطيع صلاح إن يوظف الكلمة (المبنى) بحذاقة الصانع الماهر لتجعل (المعنى) مقبولا لدى السلطات الحاكمة بلا ضرر أو ضرار.

ربما هي ميزة هذا الكاتب الكبير ولذلك انحازت (روزة) في أحداث 18 و 19 يناير 1977م إلى صف الجماهير التي خرجت غاضبة إلى الشارع جراء رفع السادات أسعار بعض المواد الأساسية للمواطنين و بشكل طفيف، ولكن ذلك أخرج الشعب من قمقم سكوته وصبره إلى فوضى عارمة في الشوارع .

وسخرت ( روزة ) الكاريكاتير للسخرية من ادعاءات النظام أن هذه انتفاضة حرامية بإيعاز من الشيوعيين المصريين وبدعم من موسكو. ويأتي كاريكاتور في (روزة) على شكل رجل شرطة يدخل على ضابط و بيده طفل لا يتجاوز الثامنة من عمره و( يتمم) عند الضابط قائلا:

- قبضنا على المتهم يا فندم.

أو فتوة يخرج من ملهى الفنانة شريفة فاضل وهو يحمل فوق رأسه راقصة وهو يقول:

- برضه تنفع.

وصادف اغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981م في حادثة المنصة الشهير، وجود ثلة من الشيوعيين المصريين في عدن؛ لمؤتمر أو ما شابه، فعرض التلفزيون مقابلة مع واحد منهم كان عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي. استهل المذيع (رحمه الله) المقابلة بكيل السباب والشتم للرئيس السادات كما تعود الإعلام في بلدان الرفض أن يفعل، فما كان من الضيف إلا أن أوقف المذيع عن الاستمرار في حديثه المقدع بحق السادات، وأعطاه درسا في الأخلاق، وأن ما حدث للسادات هو عمل شاذ خارج عن قيم الشعب المصري، وأنه لم تحدث حادثة في تاريخ مصر مثل هذه، وأن أخلاق المصريين لا تسمح لأي كان أن يسئ إلى رئيس الدولة بألفاظ مستهجنة حيا كان أو ميتا، فما بالك باغتياله.. اسقط بيد المذيع واختنق بالكلام ولم يدر ما يقوله.