في السياسة، كما في العلاقات الإنسانية، لا يكون العتاب ضعفًا، بل دليلًا على أن ما بين الأطراف ما يزال يستحق أن يُصان. فالإنسان لا يعاتب من لا يعنيه أمره، ولا يوجّه كلماته إلى من فقد الأمل فيه. ومن هذا المنطلق، يبدو ما جرى ويجري في الجنوب اليوم أشبه برسالة عتاب طويلة، تحمل في طياتها ألمًا عميقًا، وقلقًا مشروعًا، وتساؤلات ما تزال تبحث عن إجابات.

قدّم الجنوب تضحيات جسيمة إلى جانب التحالف، وفي سبيل استعادة هويته وقراره السياسي، على أمل أن تُثمر تلك التضحيات مشروعًا وطنيًا يعيد للناس ثقتهم، ويؤكد لهم أن ما بذلوه لم يذهب سدى. غير أن الواقع اليوم مؤلم ومحزن، الأمر الذي دفع شعب الجنوب إلى توجيه عتاب صادق إلى الأشقاء، وإلى كل من تولّى مسؤولية إدارة السلطات في الجنوب خلال الفترة الأخيرة.

العتاب الذي يرتفع اليوم بصوت الملايين يتساءل: لمصلحة من يُضعف الصف الجنوبي؟ ولماذا تتفكك اللحمة الوطنية، وتتسع الخلافات، وتُزرع الفوضى في كل مكان؟ ولماذا تُضعف الوحدات العسكرية والأمنية في وقت يحتاج فيه الجنوب إلى أقصى درجات التماسك؟ إننا نشم رائحة الفتنة التي يخشاها الجنوبيون أكثر من أي شيء آخر.

وعتابٌ آخر يصدح بدهشة: ما الغرض من تكرار حالات الاستفزاز، ورفع الشعارات التي تجرح مشاعر الناس، وتسارع الأحداث والتغيرات التي لا تنسجم مع تطلعاتهم، في الوقت الذي يتباطأ فيه الحوار الجنوبي–الجنوبي، وتُترك جبهات القتال المشتعلة من دون ما تستحقه من دعم وإسناد؟

وفي ظل الخذلان والصدمات المتتالية، وانعدام الخدمات الأساسية، تتردد أنباء عن استعدادات لإقامة احتفالات بمناسبة ذكرى الوحدة في العاصمة عدن. وهي مناسبة تحمل في وجدان الجنوبيين كثيرًا من الألم والأسئلة، أكثر مما تحمل من مظاهر الفرح والاحتفاء.

إن تنظيم أي فعاليات أو احتفالات ذات طابع استفزازي في هذا الظرف الحساس قد يُفهم على أنه تجاهل لمعاناة الناس، وعدم تقدير لحجم الاحتقان الشعبي الذي بلغ مستويات غير مسبوقة. فالجنوبيون اليوم لا يعيشون أجواء احتفالات، بل يواجهون واقعًا قاسيًا بعد أن خسروا الكثير.

إننا نعاتب إخوتنا وحلفاءنا بكل صدق ومحبة، ونأمل أن يكونوا أكثر إدراكًا لحساسية المرحلة، وأكثر قربًا من نبض الشارع الجنوبي، الذي ينتظر مواقف تراعي مشاعره، وتحترم تضحياته، وتقدّر حجم المعاناة التي يعيشها.

فالسياسة الحكيمة لا تُقاس فقط بالمواقف المعلنة، بل أيضًا بقدرتها على قراءة التوقيت، واحترام الرمزية، وتجنّب كل ما من شأنه أن يثير الجراح أو يزيد من حالة الاحتقان.

ونتمنى من أعماق القلب ألّا يكون هذا هو العتاب السياسي الأخير للجنوبيين، بل بداية لمراجعة صادقة، وإحساس حقيقي بمعاناتهم، وعمل مسؤول يخفف عنهم ما يعيشونه من ألمٍ وقهر، ويعيد إليهم الأمل في حل قضيتهم العادلة.