كان التململ في النفس سيد الموقف جراء بضاعة كاسدة في عدن لا يكون الملح فيها والتوابل هو الحرية.

الحرية وحدها ما قامت عليها صاحبة الجلالة كعنوان زاه للثورة البرجوازية في أوروبا. وحتى هنا في صميم هذا المجد الأوروبي كان الكيل بمكيالين سمة أوروبية قديمة ، فلم تحمل سفن الاستعمار الأوروبي غير البارود و المدفع للشعوب جنوب المتوسط تاركة فولتير و مونتسيكو وسارتر والحرية والديمقراطية لأصحاب البشرة البيضاء في القارة العجوز.

في المجتمعات البرجوازية حديثة الولادة في أوروبا ، تحررت السلعة من أية قيود، وتركت للتنافس في السوق بمحددات العمل المبذول فيها، ومن ثم؛ وتبعا لذلك تحررت ( الكلمة ) من قيودها أيضًا.

هنا في عدن؛ التي تحررت للتو من الاستعمار كانت مشيئة التاريخ في هذه الجزئية (حرية الصحافة) تأخذ شكلا رجعيا.

قمعت الصحافة العدنية ذات الشهرة الواسعة و السبق التاريخي في المنطقة . ولم يعد هناك سوى صوت واحد.. صوت الحاكم الذي تسنم الحكم في 30 نوفمبر 1967 م .لكن؛ هذه الردة كانت تقدم على أنها (تقدمية) واشتراكية لا يأتيها الباطل من خلاف ، محروسة بهدير الجماهير و حراب النظام.

ولكن من بين قيود الصوت الواحد تستطيع أن تقرأ ما يشذ عن القاعدة و يخرج من الغث الصوت المغاير عالي الكعب متفوقا بالتغريد خارج السرب على أطلال رتابة الأيديولوجيا .

كنا شغوفين بان يضحكنا سعيد عولقي بطريقته المعتادة ، أما التحدي الكبير جاء بعد أحداث يناير 1986 م، فقد كسر محمد حسين محمد حاجز الخوف وتبعه المناضل محمد سعيد مصعبين .. وآخرون.

ولكن قبل هذا التاريخ كان عمر الجاوي يقف متحديا السلطات في صنعاء و عدن بكتيبته المتقدمة.. الأدباء والكتاب .

كان هناك شبه قبول بجمهورية الجاوي الأدبية، وكان الرجل العريق في يساريته يجعل من نضالات اتحاد الأدباء ضدا على نهج قائم في عدن وصنعاء.

ومدعاة لفخر جيل بأكمله بأن يجد ما ينفس عنه خارج أيديولوجية النظامين؛ التقدمي في عدن والقبلي في صنعاء.

كنا؛ نتلقف افتتاحياته في (الحكمة) بإعجاب وافتتان بمقدرة الجاوي الذي يستطيع أن يقول ما لا يمكن أن يقال في النظامين بأسلوب جريء وراق يتسم بلغة أدبية أكثر منها صحفية.

وفي جلسة ود مع الشاعر الكبير عبدالله البردوني في موسكو؛ أثنى البردوني على أسلوب الجاوي في الكتابة، عندما جرنا الحديث إلى كتابه (حصار صنعاء) وشبهه بأسلوب الجمل القصيرة عند الأستاذ محمد حسنين هيكل.

والكتاب عبارة عن ريبورتاج يومي لوقائع حصار السبعين يوما لصنعاء نهاية 1967 ومطلع 1968م.

كنا نتسابق مع امن الدولة لشراء (الحكمة) قبل أن تنفذ سريعا بفعل فاعل، لقراءة افتتاحيات الجاوي الشهيرة التي بسببها وبسبب أرائه الوطنية ضرب في صنعاء وتعز وتكفل بإبعاده من غضبة الحاكم؛ ولو إلى حين، إلى قريتهم الآمنة؛ ال دماج: مطيع وأحمد قاسم، إلى أن تهدأ العاصفة. وأحيانا يجد الجاوي الملاذ الأمن في عدن، ربما لعلاقته الوطيدة برؤوس النظام من قحطان إلى عبدالفتاح وعلي ناصر وحتى ما دون ذلك مثل علاقته بالمناضل سعيد صالح الذي سمح له بإخراج الكثيرين من تحت مقصلة الإعدام في أحداث يناير 1986 م والذي أسماه في إحدى افتتاحياته (عام 13 يناير)، مستهلا الافتتاحية بالآية الكريمة: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)) 1و 2 الحج.

تلك المساحة الواسعة للجاوي في الاتحاد، لم تمنع النظام من أن يدفع ببيادقه المثقفة من الدخول إلى مفاصل الاتحاد مثل راشد محمد ثابت وميفع عبدالرحمن وفريد وزكي بركات وأحمد الحبيشي.. إلخ للحيلولة دون تفرد الجاوي بالاتحاد ولكن هيهات.

فعندما حضر الجاوي مؤتمر فرع الاتحاد في عدن، ورأى صورة (الأماجد) الأربعة تتصدر القاعة طلب إنزالها واشتد الجدل حولها وقال الجاوي قولته المشهورة: إن للاتحاد أماجده أيضا: الشيباني وزكي بركات ومحمد مهدي محلتي والحنكي وأحمد عمر السقاف..إلخ وسأرفع صورهم.

كان عبدالفتاح؛ أثناء زيارته لموسكو، قد طلب من عمر العودة إلى عدن وإدارة جهازي الإذاعة والتلفزيون، وكان ذلك مطلع العام 1970م وربما يذكر البعض أنه بدأ بث القران الكريم قبل كثير من الدول بعد أن تأكدت وفاة الزعيم جمال عبدالناصر، رغم وجهة نظره في النظام الناصري باعتباره نظاما ديكتاتوريا، كان هو أحد ضحاياه عندما سجن وطرد من مصر بسبب انتمائه للحزب الشيوعي المصري. لكنه لم يخلط عمر الشخصي بالعام فسخر الجهازين لإقامة ندوات فكرية شارك هو فيها لذكر مآثر الزعيم الراحل.

وفي هذه الفترة سمح الجاوي للشاعر الكبير عبدالله هادي سبيت أن يسجل في الإذاعة مسلسلا عن عملاق الغناء و الطرب الأمير أحمد فضل القمندان، وبث المسلسل المكون من ثلاثين حلقة في شهر رمضان . دون أن يعلم المستمع بأصداء المعركة الحامية بين الجاوي ووزير الإعلام عبدالله الخامري الذي استهجن أن يروج الجاوي لأمير إقطاعي اضطهد الفلاحين في لحج وصادر أراضيهم ..إلخ من هذا الكلام السمج . ولما تدخل عبدالفتاح لم تحركه المغالاة اليسارية و تفهم و جهة نظر الجاوي . ولكن سالمين انصاع لتبريرات الخامري فأقصي الجاوي من عمله بعد عام أو أقل من تسلمه العمل، ولكن المسلسل بث وسمعه الناس في كل مكان.

كان الجاوي بين صحبة أدبية وثقافية صعبة المراس مثل عبدالله البردوني ومحمد سعيد جرادة وأحمد محفوظ عمر وعبدالله فاضل فارع والربادي والشحاري ومطيع وأحمد قاسم دماج والسحول وصالح نصيب وحمود نعمان ومسرور مبروك وزين السقاف ود.عبدالرحمن عبدالله إبراهيم وأبوبكر السقاف والقرشي عبدالرحيم سلام والحكيمي وعبدالفتاح الحكيمي وسعيد عولقي وفضل النقيب .. والقائمة تطول.

وعندما ذهب أدباء وكتاب من عدن لحضور مؤتمر الاتحاد في صنعاء تخلف عن الرجوع فضل النقيب فقال الجرادة : عاد الرجعيون وتخلف التقدميون.

وعندما صدر المؤلف الضخم للجرادة (الأدب والثقافة في اليمن..) أقام التلفزيون ندوة ثقافية للكتاب ومؤلفه حضرها أحمد الحبيشي وعبدالرحمن إبراهيم و شخص آخر.. وكلهم من شباب اليسار الحاكم، اعتقادا منهم أن يحرجوا جبل الشعر والأدب محمد سعيد جرادة ولكن هيهات؛ فتهاووا من على سفح الجبل.