ستة وثلاثون عامًا مضت منذ ذلك الثلاثاء، الثاني والعشرين من مايو 1990، لكن تفاصيل ذلك اليوم ما تزال حيّةً في ذاكرتي كأنها حدثت بالأمس.
كنتُ عصر ذلك اليوم أسير على امتداد ساحل أبين، أحمل كتابًا أثقلته الملاحظات استعدادًا لامتحانات الشهادة الثانوية العامة. كانت خطواتي بطيئةً، تتقاسمها عينٌ تتنقل بين صفحات الكتاب، وأخرى تتطلع نحو قلعة صيرة، وترقب سماء ملعب الشهيد الحبيشي التي ازدانت باحتفالات إعلان الوحدة اليمنية؛ احتفالاتٍ صاخبةٍ كانت تخفي وراءها قدرًا ثقيلًا لم يكن أحدٌ يدرك مداه.
قبل ذلك بقليل، كنتُ قد جلست مع زميلٍ عزيزٍ من محافظة أبين في مقهى صغير أسفل فندق سيفيو. احتسينا كوبًا من قهوة النسكافيه، علَّه يمنحنا ما يكفي من اليقظة لنقاوم إرهاق المذاكرة ونتهيأ لامتحان اليوم التالي. في ذلك العمر، كان كوب القهوة يبدو كافيًا لمواجهة العالم كله.
وبينما كنا نسير بمحاذاة البحر، انتابني شعورٌ داخليٌّ غريب، مزيجٌ من البراءة والقلق والحدس المبكر. التفتُّ إلى زميلي وقلت له: (أشعر أن هذا الحدث سيضرُّنا نحن الجنوبيين) .
ابتسم مازحًا وقال: (خلاص... راحت عليكم). وكان يقصد، في ظل الانقسامات السياسية آنذاك، أنني محسوبٌ على طرفٍ دون آخر. لكنني أجبته بعفوية: (لن يقتصر الأمر على أحد؛ نحن جميعًا سنتأثر).
ثم عدنا إلى كتبنا وهمِّ الامتحان، ومشينا حتى غابت الشمس خلف البحر، قبل أن نعود إلى السكن الداخلي في دار المعلمين والمعهد التجاري بخور مكسر. مضى كلٌّ منا في طريقه، وفرَّقتنا السنوات، ولم تجمعنا الأيام مرةً أخرى. لكن ذلك الحوار القصير بقي في ذاكرتي، كأنه نبوءةٌ صغيرةٌ قالها الحدس قبل أن تؤكدها الوقائع.
مرت الأعوام، وجاءت حرب صيف 1994 لتكشف أن ما قُدِّم يومها بوصفه مشروعًا للوحدة لم يكن شراكةً متكافئة، بل بدايةَ مرحلةٍ طويلةٍ من الإقصاء والتهميش وتفكيك الهوية الجنوبية. ولم يفرِّق الظلم بين أبناء الجنوب؛ فقد نال الجميع نصيبهم من الخذلان، مهما اختلفت مواقفهم السابقة.
ومن صميم تلك المعاناة وُلدت مبادرة التصالح والتسامح، ثم انطلق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، حاملًا شعورًا متجددًا بأن المصير واحد، وأن الكرامة لا تتجزأ. وجاء عام 2015 ليفتح نافذةً حقيقيةً للأمل، لكنه لم يمحُ آثار الماضي، إذ ما تزال تداعيات ذلك القرار التاريخي تلقي بظلالها على واقع الجنوب وخلافاته.
واليوم، بعد ستة وثلاثين عامًا، يعود الثاني والعشرون من مايو ونحن نواجه تحدياتٍ جديدةً تنذر بجولاتٍ أخرى من التهميش والانقسام، وكأن التاريخ يختبر قدرتنا على التعلُّم من أخطائنا والالتفاف حول قضيتنا من جديد.
ولو التقيت بزميلي اليوم، لقلت له إن ثقل خطواتنا في ذلك المساء لم يكن بسبب إرهاق المذاكرة وحده، بل لأننا كنا نسير، من حيث لا ندري، نحو فصلٍ طويلٍ من التحولات لم نتعلَّم منه بعدُ.
كنتُ عصر ذلك اليوم أسير على امتداد ساحل أبين، أحمل كتابًا أثقلته الملاحظات استعدادًا لامتحانات الشهادة الثانوية العامة. كانت خطواتي بطيئةً، تتقاسمها عينٌ تتنقل بين صفحات الكتاب، وأخرى تتطلع نحو قلعة صيرة، وترقب سماء ملعب الشهيد الحبيشي التي ازدانت باحتفالات إعلان الوحدة اليمنية؛ احتفالاتٍ صاخبةٍ كانت تخفي وراءها قدرًا ثقيلًا لم يكن أحدٌ يدرك مداه.
قبل ذلك بقليل، كنتُ قد جلست مع زميلٍ عزيزٍ من محافظة أبين في مقهى صغير أسفل فندق سيفيو. احتسينا كوبًا من قهوة النسكافيه، علَّه يمنحنا ما يكفي من اليقظة لنقاوم إرهاق المذاكرة ونتهيأ لامتحان اليوم التالي. في ذلك العمر، كان كوب القهوة يبدو كافيًا لمواجهة العالم كله.
وبينما كنا نسير بمحاذاة البحر، انتابني شعورٌ داخليٌّ غريب، مزيجٌ من البراءة والقلق والحدس المبكر. التفتُّ إلى زميلي وقلت له: (أشعر أن هذا الحدث سيضرُّنا نحن الجنوبيين) .
ابتسم مازحًا وقال: (خلاص... راحت عليكم). وكان يقصد، في ظل الانقسامات السياسية آنذاك، أنني محسوبٌ على طرفٍ دون آخر. لكنني أجبته بعفوية: (لن يقتصر الأمر على أحد؛ نحن جميعًا سنتأثر).
ثم عدنا إلى كتبنا وهمِّ الامتحان، ومشينا حتى غابت الشمس خلف البحر، قبل أن نعود إلى السكن الداخلي في دار المعلمين والمعهد التجاري بخور مكسر. مضى كلٌّ منا في طريقه، وفرَّقتنا السنوات، ولم تجمعنا الأيام مرةً أخرى. لكن ذلك الحوار القصير بقي في ذاكرتي، كأنه نبوءةٌ صغيرةٌ قالها الحدس قبل أن تؤكدها الوقائع.
مرت الأعوام، وجاءت حرب صيف 1994 لتكشف أن ما قُدِّم يومها بوصفه مشروعًا للوحدة لم يكن شراكةً متكافئة، بل بدايةَ مرحلةٍ طويلةٍ من الإقصاء والتهميش وتفكيك الهوية الجنوبية. ولم يفرِّق الظلم بين أبناء الجنوب؛ فقد نال الجميع نصيبهم من الخذلان، مهما اختلفت مواقفهم السابقة.
ومن صميم تلك المعاناة وُلدت مبادرة التصالح والتسامح، ثم انطلق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، حاملًا شعورًا متجددًا بأن المصير واحد، وأن الكرامة لا تتجزأ. وجاء عام 2015 ليفتح نافذةً حقيقيةً للأمل، لكنه لم يمحُ آثار الماضي، إذ ما تزال تداعيات ذلك القرار التاريخي تلقي بظلالها على واقع الجنوب وخلافاته.
واليوم، بعد ستة وثلاثين عامًا، يعود الثاني والعشرون من مايو ونحن نواجه تحدياتٍ جديدةً تنذر بجولاتٍ أخرى من التهميش والانقسام، وكأن التاريخ يختبر قدرتنا على التعلُّم من أخطائنا والالتفاف حول قضيتنا من جديد.
ولو التقيت بزميلي اليوم، لقلت له إن ثقل خطواتنا في ذلك المساء لم يكن بسبب إرهاق المذاكرة وحده، بل لأننا كنا نسير، من حيث لا ندري، نحو فصلٍ طويلٍ من التحولات لم نتعلَّم منه بعدُ.



















