> تحقيق استقصائي/ بسام القاضي ومنيرة الطيار:

  • الموت الصامت.. صرخة من أعماق الرصاص:
في غبار عدن الدامي حيث يتردد صدى الانفجارات كمتلازمة حزينة للحرب، يقف عبد الخالق الحود كرمز للصمود اليمني؛ ففي عام 2015م، كاد يلقى حتفه على يد عناصر تنظيم القاعدة، ليُنقذه بأعجوبة مقاتلون من "المقاومة الجنوبية"، لتعاود الكرة بعد أيام قليلة ليعتقل في كشك مهترئ لأربع ساعات حتى توسط أبناء المدينة لإطلاق سراحه.

هذه ليست حادثة عابرة بل فصل من رواية أكبر: "قصة صحفيين يمنيين يواجهون التهديد من كل الأطراف". قبل الحرب صفعته قوات نظام علي عبد الله صالح بالهراوات ست مرات، تاركةً جروحًا جسدية ونفسية أجبرته على علاجٍ لثلاثة أشهر.

ومن داعش تهديدٌ بالتصفية لعمله مع "روسيا اليوم" عام 2020م. أصابت شظايا قذيفة في مطار عدن رقبته، فاكتشف الفرق الحاسم؛ فالعقد الرسمي مع قناة "الشرق" أنقذه بدعم مادي ومعنوي، بينما رفضت "مصر للأخبار" و"النيل المصرية" مستحقاته لعدم وجود ورقة رسمية.

ويؤكد تقرير هيومن رايتس ووتش (2025) أن أطراف النزاع تعتبر الصحفي "عدوًا عسكريًا"؛ إذ استشهدت المنظمة بخطاب لزعيم جماعة الحوثيين وصف فيه الإعلاميين بأنهم "أكثر خطرًا من المرتزقة الأمنيين"، وهو ما يمنح ضوءًا أخضر لاستهدافهم المباشر.

دخلت الصحافة اليمنية مرحلة "الانتحار الوظيفي" مع تجاوز حصيلة الضحايا حاجز 60 قتيلًا، وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) ونقابة الصحفيين اليمنيين، بعد انضمام 16 ضحية جديدة للقائمة خلال عام 2025. هذا النزيف المستمر دفع بالبلاد للسقوط 10 مراكز إضافية لتستقر في المرتبة 164 عالميًا ضمن تقرير "مراسلون بلا حدود" لعام 2026، وسط انهيار حاد في المؤشر الأمني الذي تراجع إلى 21.83 درجة، مما يكرس واقع الإفلات التام من العقاب في بيئة لم تشهد تقديم جانٍ واحد للعدالة منذ عقود.

وبكلمات حزينة يقول الحود: "أصبحنا أهدافاً لأننا ننقل الحقيقة ونُعامل كخيول الميري: نُركب في الخطر ثم نُترك للذئاب"، وهو الذي فكر مرارًا في الاستسلام لكن شغفه بالمهنة أعاده إلى الميدان. 
  • واقع مهني محفوف بالمخاطر 
هذه القصص ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا مدعومًا ببيانات علمية، حيث كشفت دراسة (قيد النشر) أجرتها وحدة الدراسات والبحوث الإعلامية في مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf) عن واقع مهني محفوف بالمخاطر يواجهه الصحفيون اليمنيون المتعاونون مع وسائل إعلام أجنبية.

الدراسة التي حملت عنوان "توصيف بيئة عمل الصحفيين والصحفيات اليمنيين العاملين لدى وسائل الإعلام الأجنبية في اليمن خلال فترة الحرب 2015-2025" اعتمدت على استبيان إلكتروني شارك فيه 76 صحفيًا وصحفية، بالإضافة إلى 50 مقابلة صحفية معمقة، رسمت صورة قاتمة لحالة انعدام الأمان والاستقرار الوظيفي.

تُظهر البيانات أن أكثر من نصف الصحفيين المشاركين، وتحديدًا 55 % منهم، يعملون بدون عقود رسمية، أي كمتعاونين، بينما يعمل 32 % بعقود محددة (مؤقتة) و11 % فقط بعقود دائمة. ورغم ذلك، يمتلك 70 % من هؤلاء الصحفيين خبرة تزيد عن خمس سنوات، مما يدل على أن انعدام الاستقرار الوظيفي يطال حتى أصحاب الخبرة الطويلة في الميدان.

وفي هذا السياق، يشدد الاتحاد الدولي للصحفيين على أن هذه "الهشاشة الوظيفية" تسببت في ممارسات الفصل التعسفي واحتجاز الرواتب، مما وضع الصحفيين تحت ضغط معيشي هائل في بيئة تسيطر عليها ثقافة الإفلات من العقاب.

أكد محمد مندور، الباحث في لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، أن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في اليمن موثقة بالفعل، وتشمل حالات استهداف وقتل. وأوضح أن دور اللجنة يركز على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وليس قضايا العمل مثل الأجور والتأمين.


ولمواجهة هذه المخاطر، تقدم اللجنة إرشادات سلامة باللغة العربية وتدابير دعم تشمل تسهيل الإجلاء وتقديم الدعم القانوني والمالي عند الحاجة. كما توصي اللجنة وسائل الإعلام الدولية بتبني بروتوكولات أمنية، وتوفير تدريبات متخصصة، وتقديم دعم فوري ونفسي للمراسلين المحليين. 
  • الرعب الميداني والغياب عن الحماية 
في الساحل الغربي يروي ياسر حسن قصة أخرى من الرعب الميداني كمراسل لقناة الجزيرة بعقد مؤقت؛ ففي عام 2017م تعرض فريقه لقذيفة هاون، تحطم زجاج السيارة وأصيب المصور قنصًا في منطقة كرش أثناء اشتباك قوات الحكومة الشرعية مع أنصار الله "الحوثيين".


يوجه ياسر رسالته للإعلام الدولي: "ضعوا سلامة الفريق قبل السبق الصحفي، وادفعوا أجورًا تُقابل الموت اليومي وأدوات حماية حقيقية".

وفي ذات السياق، يوثق رصد لجنة حماية الصحفيين (CPJ) واقعًا دمويًا بجعل اليمن واحدًا من أخطر بقاع العالم؛ وتؤكد اللجنة أن هذه الأرقام تشمل "اغتيالات متعمدة" لتصفية الشهود، وسط استهداف مزدوج يضع الصحفيين في "فخ" الملاحقة بين اتهامات السلطات المحلية والخذلان المؤسسي لوسائل الإعلام الدولية التي يراسلونها، مما جعل "البقاء على قيد الحياة" هو الإنجاز الأكبر للصحفي اليمني.

هذا الواقع المأساوي يترجمه تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود (2026) الذي سجل تراجع اليمن للمرتبة 164 عالميًا، مؤكدًا انهيار المؤشر الأمني وتصاعد حدة القمع الممنهج الذي حول اليمن إلى بيئة "خطيرة جداً" تفتقر لأدنى مقومات السلامة.

هذا الواقع يتطابق مع نتائج الدراسة على صعيد الأمن والسلامة، حيث أقر ثلاثة أرباع المشاركين (75 %) بأن جهات عملهم لم تقدم لهم أي تدريب حول التعامل مع المخاطر المهنية. كما أن 79 % من الصحفيين أكدوا أن وسائل الإعلام الأجنبية لا توفر لهم أدوات السلامة المهنية اللازمة، مثل السترات الواقية أو الخوذ. واقع التعرض للمخاطر الميدانية كان لافتًا، حيث أكد 92 % من المشاركين أنهم تعرضوا لمخاطر أثناء مهامهم الصحفية، تنوعت بين الاعتداء الجسدي، التهديد بالقتل، والتعرض لإطلاق النار.

على حافة الخطر يقف الصحفي اليمني مروان نبيل شاهدًا حيًا على مفارقة مأساوية تعيشها الصحافة الدولية لسنوات طويلة؛ تنقّل بين جبهات القتال في اليمن حاملًا كاميرته ومفكرته، ينقل الحقيقة لوسائل إعلام عالمية كبرى، بينما يدرك في قرارة نفسه أن لا أحد سيحميه إن سقط برصاصة طائشة أو اختُطف خلف جدران التعذيب.

تجربة مروان تكشف الوجه القبيح لاستغلال المراسلين المحليين، حيث عمل دون عقد رسمي أو تأمين صحي أو ضمانات قانونية. عاش في قلق دائم من فصل مفاجئ أو توقف الأجور التي كانت أصلًا أقل بكثير مما يتقاضاه زملاؤه في دول آمنة. وحين واجه التهديدات المتكررة، لم يجد سوى معارفه الشخصية وشجاعته الفردية للنجاة.

رغم التفكير المتكرر في الرحيل، بقي مروان؛ ليس لأن الظروف تحسّنت، بل لأن ضميره الصحفي كان أقوى من الخوف. وفي رسالته الأخيرة للمؤسسات الإعلامية الدولية، لم يطلب الكثير، فقط ما يستحقه أي إنسان: كرامة العقد، وحماية القانون، وأجر عادل مقابل المخاطرة بحياته من أجل الحقيقة. 
  • الضغط المضاعف على الصحفيات والغياب عن الدعم 
الصحفية اليمنية يتضاعف عليها الضغط أثناء عملها الصحفي كما في شهادة الصحفية (أ-ل) التي وجدت نفسها في كل عمل صحفي تنجزه تُحاصرها الأسئلة المشبوهة "من تتبعين؟ من يمولك؟"، متبوعة بتحرشات لفظية ومساومات غير أخلاقية للحصول على المعلومات، دافعةً إياها نحو الانهيار النفسي والتفكير في الاستقالة حد وصفها، مبينةً أن غياب العقد يفاقم الجرح؛ فذلك يحرمها من التدريب والأمان المالي، مؤكدة: "نحن لسنا أدوات مؤقتة، بل شركاء في نقل معاناة شعبنا".

وتتطابق هذه الشهادات مع أرقام منظمة صحفيات بلا قيود التي وثقت 1784 انتهاكًا خلال عقد (2014-2024)، موضحة أن الصحافة اليمنية وضعت في "مرمى الميليشيات" منذ اللحظات الأولى للحرب، حيث تصدرت جماعة الحوثي قائمة المنتهكين بـ 1008 حالة.

أما (س-ق) فتفاجأت بتخلي مؤسستها عنها بعد تعرضها لإطلاق نار هي وفريقها أثناء تغطيتها كونها تعمل مع المؤسسة بدون عقد رسمي، بل إنهم لم يطلقوا من أجلها حتى بيان تضامن.

أكدت الدكتورة عبير سعدي، الخبيرة في مجال الأمن والسلامة، أن العديد من وكالات الأنباء الدولية تستغل الصحفيين المحليين وتهدر حقوقهم. وأوضحت أن هذه المؤسسات تتجنب تحمل تكاليف التأمين الصحي وتأمين الحياة من خلال استئجار الصحفيين المستقلين بعقود غير عادلة أو بدون عقود على الإطلاق. وتضيف سعدي أن هذا الاستغلال يصل إلى حد دفع الصحفيين إلى خوض مخاطر أكبر لالتقاط قصص مميزة، لأن المؤسسات لا تدفع إلا مقابل الأعمال المنشورة، مما يزيد من الضغط النفسي عليهم.

وشددت الدكتورة عبير سعدي على أن حقوق الصحفيين لا تقتصر على السلامة الجسدية، بل تشمل الحق في الانسحاب من مناطق الخطر عند الشعور بالإرهاق النفسي والجسدي. وأشارت إلى أن الصحفي المحلي يواجه ضغوطًا أكبر من المراسل الأجنبي؛ لأن أسرته تعيش معه في بيئة النزاع، مما يزيد من معاناته. ودعت الدكتورة عبير سعدي الصحفيين إلى توحيد جهودهم للمطالبة بحقوقهم من خلال عقود رسمية، وزيادة وعيهم القانوني، مشددة على أن المؤسسات الإعلامية يجب أن تتحمل مسؤوليتها وتوفر لهم التدريب على الأمن والسلامة. 
  • هشاشة مهنية واستغلال حقوقي 
جمال حيدرة الذي عمل كمراسل ميداني لأربع قنوات عربية خلال عام 2015م دون أي عقود رسمية، وعندما توقف عمله لم يحصل على أي حقوق وكان ذلك له درس قاسي.
 

يشير جمال إلى أن بقاء الكثير من الصحفيين اليمنيين في عملهم يكون "مرهونًا بمزاج مالك الوسيلة الإعلامية أو حتى المدير"، وإنهاء عملهم في أي لحظة وهذا الوضع يحرم الصحفيين من أبسط حقوقهم، كالتأمين الصحي، أو بدل المخاطر، أو الإجازات. مستذكراً أنه تعرض لمخاطر عدة أثناء عمله منها "تهديدي بالقتل من قبل مسؤول رفيع في وزارة النفط اليمنية"، بعد أن قام بتحقيق تلفزيوني حول الموارد النفطية؛ مؤكدًا أن الخطر يتربص بالصحفي ليس فقط في الميدان العسكري بل عند كشفه للفساد.

علي محسن الحسني يُضيف لمسة الاستقرار المفقود؛ يحكي بحزن: "ثلاث سنوات مع صحيفة "النهار العربي" اللبنانية، ثم استغناء مفاجئ عبر الإنترنت دون إشعار أو تعويض، بعد قصف حوثي كاد يودي بحياته أثناء تغطية عودة الحكومة إلى مطار عدن الدولي في 30 ديسمبر 2020م". باستغاثة يصرخ الحسني: "أنا مجرد عامل بالقطعة؛ لا تستغلوا حاجتنا، أعطوا حقوقنا".

التجاهل أشد قسوة من الرصاص كما يصف الصحفي (أ-أ)؛ فرفض إعطاء بطاقات عمل للصحفيين يُحوّلهم إلى "عمال يوميين" في بيئة تسيّس التغطية الصحافية، إضافة لمواجهة الصحفيين لخطر تهديدات القتل بسبب ملفات أمنية، وتجاهل المؤسسة الإعلامية – حتى لطلب توصية – يُولد هشاشة كاملة. كذلك عقبة الأجور غير منتظمة، والفجوة مع الزملاء الخارجيين "صادمة".

وفي هذا السياق، يكشف الصحفي مازن عدن (اسم مستعار)، الذي يعمل لصالح صحيفة دولية عريقة، عن بُعدٍ آخر لهذا الانكشاف المهني قائلاً: 'أصعب ما يواجهنا هو الإنكار الرسمي لوجودنا؛ فنحن نُكلف بتغطية ملفات الإرهاب والأمن الشائكة، لكن المؤسسات الدولية ترفض منحنا بطاقات عمل أو عقوداً قانونية، مما يحولنا إلى عمال مياومة بلا هوية'.

هذا التجاهل، كما يوضح مازن، ليس مجرد خلل إداري بل هو 'أكبر تهديد أمني بحد ذاته'؛ فحين تنهال تهديدات القتل، يلتفت الصحفي خلفه فلا يجد مؤسسة تتضامن معه أو تحميه، وكأن حياته أصبحت 'ضريبة مجانية للخبر'. ويختتم شهادته بمرارة مؤكدًا أن 'الفجوة الطبقية في الأجور وتأخير المستحقات لشهور، يحول المهنة من رسالة سامية إلى انتحار وظيفي ونفسي مُتعمد'.

يكابد الصحفيون اليمنيون حصارًا مطبقًا بـ"صدور عارية"، حيث كشف تحليل استبيان نقابة الصحفيين اليمنيين أن 78.4 % من الكوادر الإعلامية أُجبروا على ممارسة الرقابة الذاتية القسرية، بينما يضطر 67.6 % منهم للتواري خلف أسماء مستعارة كدرع وحيد للنجاة. ومع تسجيل 127 انتهاكًا جسيمًا وثقها الاتحاد الدولي للصحفيين ومرصد الحريات خلال عام واحد، فقد 84.5% من الضحايا الثقة في المنظومة القضائية، معتبرين إياها أداة لشرعنة قمع الأصوات المستقلة بدلاً من حمايتها.

هذا الشعور بالانكسار يمتد ليصل إلى ذروته بعد 17 عاماً من العطاء في بلاط صاحبة الجلالة؛ حيث وجدت الصحفية (هـ. ن) أن مسيرتها باتت أشبه بـ 'رحلة بلا مرسى'.

تروي (هـ. ن) بوجع أنها عانت من اكتئاب حاد نتيجة التهميش المستمر وتأخير مستحقاتها المالية، وهو ما وصل بها إلى حد التفكير الجدي في ترك الصحافة والعمل 'نادلة' في مطعم هرباً من تلك الضغوط القاتلة.

وعلى الرغم من المخاطر اليومية وغياب العقود الرسمية التي حرمتها من الاستقرار، لم تتخلّ عن شغفها. في رسالتها لوسائل الإعلام الدولية، تدعو الصحفية إلى ضرورة توفير قوانين حماية حقيقية للمراسلين المستقلين، تضمن حقوقهم الأساسية من أجور عادلة ودعم قانوني.

توجه (هـ. ن) رسالة لزملائها بالبحث عن الفرص وصناعة مساحاتهم الخاصة، مؤكدة أن "الصحفي اليمني يمتلك قدرة استثنائية على التكيف مع أقسى التحديات". 
  • الإحصائيات تكشف التعسف والغياب عن التأمين 
وتظهر الأرقام من الدراسة أن 79 % من الصحفيين لا يحصلون على أي تأمين صحي أو تأمين على الحياة، مما يضعهم في مواجهة مباشرة مع التكاليف الطبية الباهظة في حال تعرضهم للإصابة. وقد وصلت نسبة من تعرضوا للتعسف من جهات عملهم إلى 49 %، وشمل أبرز أشكال هذا التعسف التلاعب بالمستحقات المالية، والفصل التعسفي دون أسباب واضحة أو تعويضات.

أوضح محمد إسماعيل، المدير التنفيذي لمرصد الحريات الإعلامية في اليمن، أن غياب العقود الرسمية بين الصحفيين اليمنيين ووسائل الإعلام الدولية يعد تحدياً خطيراً يفاقم من هشاشة بيئة العمل. وأكد أن هذا الوضع يترك الصحفيين بلا حماية قانونية، مما يجعلهم عرضة للاستغلال والفصل التعسفي وعدم الحصول على حقوقهم. وشدد على أن المرصد يوصي الصحفيين بضرورة تأمين عقود عمل مكتوبة، ويدعو إلى تضافر الجهود لتحسين بيئة العمل الصحفي وضمان حقوق الصحفيين وسلامتهم.

أوضح جمال الجعبي، المحامي والمستشار القانوني، أن الحماية القانونية للصحفي مكفولة بموجب الدستور اليمني وقانون الصحافة، ولا تتوقف على وجود عقد رسمي. وأكد أن وجود علاقة عمل فعلية، حتى بدون عقد مكتوب، يجعل المؤسسة الإعلامية مسؤولة عن حماية الصحفي وفقًا لقانون العمل. ونصح الصحفيين بتوثيق علاقة العمل كتابةً، وتحديد الاختصاص القانوني، وتوثيق الانتهاكات للاستعانة بنقابة الصحفيين والمنظمات الحقوقية في توفير الدعم والمناصرة.

قالت القاضي إشراق المقطري، عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان سابقًا (عند أخذ التصريح) وزيرة الشؤون القانونية حالياً، إن اللجنة توثق بشكل خاص الانتهاكات ضد الصحفيين، مثل الإصابة والقتل والاعتقال التعسفي. وأكدت أن اللجنة تعمل على إعداد ملفات قانونية متكاملة لكل حالة لتحديد المسؤولين عن الانتهاكات. وأضافت أن غياب عقود العمل الرسمية يعد انتهاكاً لحقوق الصحفيين، حيث يحدد العقد الحقوق والالتزامات ويوفر الحماية، مشيرة إلى أن للصحفيين الحق في تقديم شكاوى عبر القنوات الرسمية أو المنظمات الدولية.

تكشف هذه النتائج عن وضع مهني هش، حيث يواجه الصحفي اليمني تحديات مضاعفة من مخاطر العمل في مناطق النزاع، وغياب الدعم المؤسسي والحماية القانونية.

صالح حنش، مراسل حربي لـ "الغد المشرق" و "CCTV"،
يواجه الموت دون ضمانات؛ فقد كاد يُؤسر في الدريهمي عام 2018م والضالع عام 2020م. يوضح حنش: "جهل القنوات بالمخاطر يُعاملنا كأعداء؛ زملاء أُصيبوا دون حبة دواء. الفجوة في الأجور سنوات ضوئية؛ راتبي يُعادل يومين لمراسل أجنبي"، مطالبًا بـ "منظور إنساني حقوق أثناء وبعد العمل"، ويُوصي زملاءه بالتضامن والتوثيق. 
  • تحت سيطرة أنصار الله (الحوثيين) والفجوة المالية 
تحت سيطرة الحوثيين في صنعاء واجهت الصحفية (و- ك) تهديدات في عام 2015م وعدة شتائم، ليس ذلك فحسب بل طال تكسير الكاميرا خاصتها إضافة للضغط العائلي، مما جعلها تخضع للعلاج النفسي لتتجاوز كل ذلك الضغط كما بينت، مضيفةً: "نحن أعداء لأي طرف".

وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش تحت عنوان "نتقرب إلى الله بتعذيب الصحفيين"، أفاد معتقلون بتعرضهم للضرب والتعليق والتهديد بالإعدام لسحق إرادتهم وتخويف زملائهم.

يرى الصحفي نشوان العثماني الذي عمل سنوات طويلة كمراسل مع مونت كارلو الدولية أن أصعب هذه التحديات تتمثل في غياب أي حماية مهنية أو قانونية، خصوصًا في بلد مثل اليمن، حيث يُعامل الصحفي كعدو لأي طرف مسلح؛ مؤكدًا أن غياب العقد الرسمي يمنح الصحفي شعوراً بالعمل في فراغ، بلا حقوق واضحة أو ضمانات، ويجعله يعيش تحت ضغط نفسي دائم.

ويدعم هذا استبيان نقابة الصحفيين اليمنيين الذي كشف أن 78.4 % من الصحفيين لجأوا للرقابة الذاتية خوفًا من التنكيل، بينما يعمل 32.9% دون أي عقود عمل، مما جعل من "البقاء على قيد الحياة" هو الإنجاز الأكبر.

الصحفي عبد الرحمن بن عطية يحكي حول تجربته مع صحيفة "الحياة اللندنية"؛ يروي كيف أنه في منتصف عام 2015م التحق بالعمل مع الصحيفة كمراسل دون عقد وغطى العديد من الأخبار والمواد الصحفية، ولم يستلم من مستحقاته إلا لربع واحد فقط من فترة عمله وبقيت حقوقه المالية عالقة حتى الآن بعد إغلاق الصحيفة.

والى ذلك لم يسلم الصحفي علي سالم المعبقي أيضًا من المعاناة، فمن خلال تجربة قاسية خاضها بعد أن سلبت منه جريدة "الحياة" الدولية حقوقه المالية لمدة عامين. بدأت الأزمة بتلقيه تهديدات شبه رسمية بعد نشره تقريرًا حول "عاصفة الحزم"، تلاها استدعاء من الشرطة بسبب ديون إيجار تراكمت عليه نتيجة عدم صرف مستحقاته.

يقول المعبقي: "فقدان مستحقاتي المالية كان الأصعب"، مؤكدًا أن غياب العقد الرسمي أضعف موقفه وزاد من معاناته. دفعت هذه الظروف القاسية الصحفي إلى مغادرة مسكنه والعيش في حالة من التشرد والإحباط. لم يتلقَ أي دعم قانوني من جهة عمله، مما يكشف الفجوة الكبيرة في حقوق الصحفيين اليمنيين.

يوجه المعبقي رسالة لوسائل الإعلام الدولية، يطالبها فيها بالعدالة والمساواة مع مراسليها، ويدعو الصحفيين اليمنيين إلى عدم الثقة الكاملة بوسائل الإعلام والحرص على توثيق حقوقهم بعقود رسمية.

الصحفية منيرة الطيار تروي خسارة تحقيق استقصائي بسبب تخلي منصة رقمية دولية عن نشر التحقيق؛ تقول: "عملي ذهب أدراج الرياح مقابل كلمة واحدة؛ فبسبب غياب العقد المسبق على إنتاج التحقيق تكبدت خسارة الوقت والجهد"، مضيفةً أن غياب العقد الرسمي لصحفي يجعل الصحفي متخبطاً أثناء عمله؛ "فحين يتم سؤاله أين ستنشر المعلومات يشعر بتردد في الإجابة فهو ليس واثقاً أن المنصة ستنشر العمل". 
  • دور النقابات والمؤسسات الحقوقية 
يؤكد نبيل الأسيدي، رئيس لجنة الحقوق والحريات بنقابة الصحفيين اليمنيين، أن النقابة تلعب دورًا محوريًا في حماية حقوق الصحفيين اليمنيين العاملين مع مختلف وسائل الإعلام. وتتدخل النقابة لحل المشاكل المتعلقة بالحقوق المالية والملكية الفكرية، غالبًا عبر الوساطة السرية.


ويشير الأسيدي إلى أن غياب العقود الواضحة يترك حقوق الصحفيين عرضة للضياع، حيث تستغل بعض وسائل الإعلام حاجة الصحفيين في الدول الهشة. وتعمل النقابة على توثيق ورصد الانتهاكات، وتشجع الصحفيين على إبرام عقود عمل واضحة لحماية حقوقهم.

يضيف نبيل الأسيدي أن النقابة تولي اهتمامًا خاصًا بقضايا السلامة المهنية للصحفيين في مناطق النزاع، حيث يلاحظ أن بعض وسائل الإعلام لا توفر التدريب الكافي أو أدوات السلامة الأساسية، وتطلب منهم تغطية مناطق خطرة دون مقابل مناسب. ويؤكد الأسيدي على أن النقابة تعمل على مخاطبة العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية للتفاوض وحل المشاكل المتعلقة بالعقود والحقوق، داعيًا وسائل الإعلام الدولية إلى التعامل بإنصاف ومساواة مع الصحفيين اليمنيين ومنحهم حقوقهم كاملة.

أكد محمد قاسم نعمان، رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان، أن المركز يواجه صعوبات في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون اليمنيون بسبب غياب الدعم المالي اللازم.
 

وأشار إلى أن المركز يمتلك رؤى لتقديم الدعم القانوني والنفسي للصحفيين الذين تُنتهك حقوقهم، لكن هذه الخطط تتعثر بسبب نقص التمويل.

وانتقد نعمان دور بعض المنظمات الدولية المانحة والنقابات اليمنية، حيث وصف الأخيرة بأنها لا تقوم بدورها المنشود في حماية الصحفيين، وهو ما يعقد عملية التوثيق الشامل للانتهاكات. 
  • جدار الصمت: مواجهة بلا ردود 
تطبيقًا للمعايير المهنية الحاكمة للصحافة الاستقصائية، واجه "معدّو التحقيق" إدارات وسائل الإعلام الدولية والمنصات المعنية بالحقائق والشهادات الموثقة؛ إذ وجّهوا إليها تساؤلات ومطالبات رسمية عبر البريد الإلكتروني تستفسر عن غياب العقود الرسمية والتأمين الصحي، وتطالب بتوضيح سياساتها حول حماية الحقوق المادية والأمنية لمراسليها الميدانيين في اليمن.

غير أن تلك المؤسسات آثرت الصمت؛ وانتهت المهلة الزمنية الممنوحة لها دون تلقي أي تعقيب أو تفنيد. هذا التجاهل المطبق لا يمثّل تهرباً من الأسئلة فحسب، بل يكشف هوّة سحيقة بين الشعارات الحقوقية والمهنية التي ترفعها هذه المنصات العابرة للحدود، وواقع تنصلها من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه شركائها المحليين الذين يصنعون تغطياتها بدمائهم في الميدان.

إن صمت الإعلام الدولي يضعه في مواجهة مكشوفة مع التزامات القانون الدولي الإنساني، ويؤكد أن "الهشاشة المهنية" التي تحاصر الصحفي اليمني ليست مجرد قدر فرضته الحرب، بل هي نتيجة "سياسة إنكار وتجاهل ممنهجة" تلجأ إليها هذه الوسائل هرباً من التبعات المالية والقانونية المترتبة على تشغيل الكوادر في بيئات النزاع المسلح. 
  • ما وراء الرصاص: البيانات تكشف حجم الاستغلال" 
تُظهر دراسة مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf) صورة مقلقة لبيئة عمل الصحفيين اليمنيين. فقد كشفت أن الغالبية العظمى، وتحديدًا 55 % منهم، يعملون بدون عقود رسمية، بينما يعمل 32 % بعقود مؤقتة، و11 % فقط يتمتعون بعقود دائمة، وذلك رغم أن 70% منهم يمتلكون خبرة تفوق الخمس سنوات.

على صعيد الأمن والسلامة، أقر ثلاثة أرباع المشاركين (75 %) بأن جهات عملهم لم تقدم لهم أي تدريب على التعامل مع المخاطر، كما أكد 79 % منهم عدم توفير أدوات السلامة الأساسية كالسترات الواقية والخوذ.

أما فيما يخص التعرض للمخاطر الميدانية، فقد أكد 92 % من الصحفيين تعرضهم لاعتداءات جسدية، تهديدات بالقتل، أو إطلاق نار أثناء مهامهم. ولم تقتصر المعاناة على المخاطر الميدانية، فقد تعرض 49 % منهم للتعسف من جهات عملهم، وشمل ذلك التلاعب بالمستحقات المالية والفصل التعسفي.

ويُعد غياب التأمين الصحي والحياة أمرًا حرجًا، حيث أفاد 79 % من الصحفيين بعدم حصولهم على أي تغطية تأمينية، مما يتركهم يواجهون تكاليف العلاج الباهظة بمفردهم. ورغم كل هذه التحديات، فإن هناك بصيص أمل؛ فقد أبدى 66 % من المشاركين استعدادهم للحديث علناً عن قضاياهم، مما يعكس رغبتهم في التغيير وتحسين ظروف عملهم.

تتجاوز الانتهاكات الجسدية لتصل إلى "الإفقار الممنهج"، حيث يواجه 32.9 % من الصحفيين الميدان دون أي عقود عمل رسمية، وفقًا لتوثيق منظمتي "صدى" و"صحفيات بلا قيود" مما يضاعف من ارتهانهم لظروف "العقود الوهمية" وغياب الضمانات. هذا الانكشاف القانوني، الذي واكب تسجيل 167 انتهاكًا وظيفيًا شملت مصادرة الرواتب وإغلاق المؤسسات، حول الصحفي إلى الحلقة الأضعف، وسط محاولات مستمرة من أطراف النزاع لتحويل ما تبقى من أقلام إلى أدوات بروباجندا تفتقر لأبسط مقومات الأمان المهني.

شدد الدكتور لؤي طارش نعمان، أستاذ القانون بجامعة عدن، على المسؤولية القانونية والأخلاقية التي تقع على عاتق وسائل الإعلام الدولية تجاه الصحفيين المتعاقدين معها بموجب القانون الدولي، مشيراً إلى المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف.

وأكد أن عدم توفير عقود رسمية للصحفيين اليمنيين يعد انتهاكاً صارخاً للقانون، مما يعرضهم للاستغلال والخطر. وأشار إلى أن العقود يجب أن تكون واضحة وتضمن حقوق الصحفيين وواجباتهم، وأن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية عدم التخلي عن موظفيها في مناطق النزاع.

تؤكد منظمة مواطنة لحقوق الإنسان أن الصحافة أصبحت "رديفاً للتهمة"، حيث وصل القمع لذروته بإصدار أحكام إعدام.

كما يشير بيان منظمة المادة 19 إلى تحول المنظومة القضائية إلى أداة ترهيب تُساق عبرها محاكمات صورية لإسكات الأصوات المستقلة.

هذه النتائج تؤكد الحاجة الماسة إلى تدخل دولي ومحلي لتحسين ظروف عمل الصحفيين وضمان حقوقهم وسلامتهم. ويدعو مرصد الحريات الإعلامية في ورقة سياساته إلى ضرورة إدماج جرائم استهداف الصحافة ضمن أولويات العدالة الانتقالية كشرط للمصالحة الوطنية، لمحاسبة المتورطين وجبر ضرر الضحايا.

واليوم، لا يزال عبد الخالق الحود يتألم من صمت المؤسسات أكثر من ألم شظية مطار عدن في رقبته، منتظرًا عدالةً لا تأتي بقرار حرب، بل بعقد عملٍ يحمي كرامة من يخوض الموت ليقول الحقيقة.



أُنتج هذا التحقيق بدعم من مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf) ونشر حصريا كتحقيق استقصائي معمق مدفوع بالبيانات في منصة انفوتايمز ميديا عبر الرابط المرفق

https://infotimes.media/article/silent-death-yemen-journalists-2025



قائمة المراجع والمصادر

تقرير هيومن رايتس ووتش (2025)

https://www.hrw.org/ar/report/2025/09/11/392056

https://n9.cl/pa83q

منظمة المادة 19

https://n9.cl/9nf3c4

منظمة مراسلون بلا حدود 2026

https://n9.cl/t57xil

الاتحاد الدولي للصحفيين

https://n9.cl/66vrrh

https://n9.cl/9jmpe

لجنة حماية الصحفيين

https://cpj.org/ar/mideast-ar/yemen-ar/

نقابة الصحفيين اليمنين

https://n9.cl/6q19jf

تحليل استبيان واقع الحريات الصحفية باليمن خلال 10 سنوات من الحرب

https://n9.cl/rz5hop

المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى)

https://n9.cl/s1m91

منظمة مواطنة

https://www.mwatana.org/posts/press-freedom-in-yemen

منظمة صحفيات بلا قيود

https://wjwc.org/ar/newsar/2025-05-03-12-04-06

مرصد الحريات الإعلامية في اليمن تقرير 2025

https://n9.cl/h6r9u

مرصد الحريات الإعلامية ورقة سياسات لإدماج قضايا الإعلام في مسارات العدالة الانتقالية

https://n9.cl/av7xm1