في السياسة، ليست المشكلة في الشعارات التي تُرفع، بل في الجهة التي تموّل من يرفعها. فالتجارب العربية خلال العقود الماضية أثبتت أن كثيرًا من الحركات التي بدأت بخطاب ثوري أو ديني انتهت إلى مجرد أدوات في سوق المصالح الإقليمية والدولية، تتغير ولاءاتها بتغيّر الممول، بينما يبقى الخراب هو النتيجة الثابتة.

في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي خرجت حركات قومية ويسارية ماركسية في الوطن العربي وهي تتحدث عن التحرر والعدالة والوحدة والكرامة الوطنية. كانت الجماهير ترى فيها مشروعًا لبناء الدولة الحديثة، لكن ما حدث لاحقًا كشف أن أغلب تلك الحركات لم تكن تملك مشروع دولة بقدر ما كانت تملك مشروع سلطة ومن وصل منها للحكم لم تورث إلا الخراب والفقر. وحين فشلت في تحقيق وعودها، تحول كثير من اتباعها وتنظيماتها المسلحة إلى أدوات قابلة للتوظيف داخل شبكات الصراع الإقليمي والدولي. لم تعد البندقية مرتبطة بالوطن، بل بمن يدفع ثمن الذخيرة.

المشهد نفسه تكرر منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم ولكن بلباس ديني أكثر حدّة. فالتنظيمات التي ظهرت على الساحة كبديل لليسار رفعت راية الخلافة أو الجهاد لتحرير فلسطين هي نفس التنظيمات التي وصلت للسلطة في اليمن وليبيا وأفغانستان والسودان التي لم تستطع بناء دولة ولا إنتاج نموذج حكم قابل للحياة. ومع أول اصطدام حقيقي بالواقع، بدأت رحلة الانتقال من ممول إلى آخر. تقاتل هذه الجماعات و بقاياها اليوم تحت شعارات دينية، لكنها تتحرك سياسيًا وفق خرائط المصالح الاستخباراتية للدول الراعية، لا وفق أي مشروع عقائدي حقيقي.

في اليمن تحديدًا تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فهناك جماعات تتحدث باسم الدين وترفع الشعارات العابرة للحدود من فلسطين إلى فنزويلا بينما تتحول عمليًا إلى أدوات ابتزاز إقليمي، وأخرى تتحدث باسم الشرعية وهي عاجزة حتى عن إنتاج نموذج دولة داخل مناطق نفوذها. الجميع يرفع شعارات كبرى؛ تحرير، مقاومة، وحدة، خلافة، جمهورية، لكن المواطن لا يرى سوى مزيد من الفقر والانقسام والانهيار.

المشكلة أن بعض النخب العربية ما تزال تقرأ هذه الجماعات بعيون أيديولوجية ساذجة، فتتعامل مع الشعارات باعتبارها حقائق، لا باعتبارها غطاءً سياسيًا لمشاريع نفوذ. ولهذا يصبح السؤال الحقيقي في أي صراع هو من يمول؟ لأن التمويل يكشف الوظيفة الحقيقية للسلاح أكثر مما تكشفه الخطب والبيانات.

اليمن والجنوب اليوم ليس فقط ساحة حرب، بل مختبرًا سياسيًا مفتوحًا يثبت أن الأيديولوجيا قد تبدأ كحلم، لكنها كثيرًا ما تنتهي كبندقية للإيجار. وحين تتحول البنادق إلى عقود أمنية متنقلة بين العواصم، يصبح الوطن هو الضحية الأولى، وتصبح الشعارات مجرد لافتات تُبدَّل كلما تغيّر الممول.