في سني المراهقة بدأت تستهوينا معارك عمر الجاوي السياسية والفكرية، ولكن الأستاذ الشاعر الكبير أحمد السقاف كان يدفعنا إلى حلبته دفعًا جميلًا. كان يدرك ماهية الأيديولوجيا الحاكمة في الجنوب، ويسألني في زياراته الحولية لعدن، لتفقد المشاريع الإنشائية المقدمة من دولة الكويت للجنوب، عما يُدرَّس لنا في الثانوية، وأغدق عليَّ كتبًا من ذوات الوزن الثقيل في الأدب والثقافة العربية، دون أن يغفل مؤلفاته ومقالاته وأشعاره، وكلها بحر ضاج بحب العروبة والقومية العربية التي يمسك بنلابيبها السقاف بكلتا يديه.
كان لصفته الدبلوماسية فائدة كبرى في إدخال مثل هذه المؤلفات التي كانت من الممنوعات في الجنوب.
تعرفت بفضله باكرًا على أنيس منصور ونجيب محفوظ ومحمد أحمد خلف الله ومحمد عمارة.. إلخ، ومن الكويت: خليفة الوقيان وعبدالله حسين وعبدالرزاق البصير وخالد سعود الزيد والمشاري والعدساني.. إلخ.
وحتى في الأدب العالمي تعرفت على الإسباني (سرفانتس) مؤلف الرواية العالمية (دون كيشوت).
وبدأت الصحبة المثقفة من حولي تنقاد للأفكار القومية العربية، ونتداول بسرية ما يبعثه السقاف من شعر أو مقالات أو كتب، وكأنها الحبل السري الذي يغذينا بالأفكار العروبية بعيدًا عن أيديولوجية الحاكمين في عدن.
بالنسبة لي، كان الجاوي حاضرًا بيساريته الوطنية، وبسطوع مقدرته على التحدي للدفاع عن أفكاره. كان يدهشنا وهو يعنف يوسف السباعي في مقالته الشهيرة: (مدد يا سباعي مدد)، عندما دعا السباعي ممثلين عن وزارة الثقافة في صنعاء لحضور مؤتمر الأدباء والكتاب في آسيا وإفريقيا في القاهرة، متجاوزًا اتحاد الأدباء والكتاب في اليمن.
وفي يوم فوجئت بمقالة للأستاذ أحمد السقاف في (العربي) عن مشاركته في مؤتمر اتحاد الأدباء والكتاب العرب في بغداد رئيسًا لوفد أدباء الكويت، عندما عرج على مناقشات الحاضرين في القضايا الفكرية المختلفة، وخص الجاوي بعبارات من نوع: (رأي غريب نسمعه من رئيس وفد اليمن)، عندما تساءل الجاوي: كيف يستطيع بلد متخلف مثل اليمن أن يلحق بركب الشعر الحديث؟
طبعًا كان السقاف في طليعة شعراء القصيدة الكلاسيكية العمودية أو الخليلية، وتناول بالنقد القاسي أحيانًا شعراء قصيدة النثر.
وتساءل السقاف بشكل مقصود: كيف فات الجاوي، وهو المثقف اللبيب والواعي، أن طاغور شاعر الهند العظيم ظهر في فترة انحطاط الهند، وأن المتنبي العظيم ظهر في عصر سيطرة الأتراك والمماليك على زمام الخلافة العباسية؟
وقال السقاف: ألم يصل إلى سمع الجاوي ما حازته قصيدة البردوني من قصب السبق في مهرجان أبي تمام بالموصل، وهي من الشعر الكلاسيكي، ومن أبياتها:
ماذا ترى يا أبا تمام هل كذبت
أحسابنا أم تناسى عرقه الذهبُ
عروبة اليوم أخرى لا ينم على
وجودها اسمٌ ولا لونٌ ولا لقبُ
تسعون ألفًا لعمورية اتقدوا
وللمنجم قالوا إننا الشهبُ
قيل انتظار قطاف الكرم ما انتظروا
نضجًا وقد عُصر الزيتون والعنبُ.
وكان رد الجاوي في (الحكمة) قاسيًا، ربما للتعويض عن محدودية (الحكمة) مقارنة بمجلة ضخمة كـ(العربي).
كانت افتتاحيات (الحكمة) تكثيفًا لغويًا لانتقاد النظام في صنعاء وعدن، لكن مقالات الجاوي الطويلة في المجلة كانت تذهب إلى المسائل الفكرية غالبًا؛ كأن يرد على الكاتب الكبير أنيس منصور، على خلفية كتابه: (اليمن.. ذلك المجهول)، وتناوله بالنقد ردًا على بعض الأوصاف الكاريكاتورية للشخصية اليمنية كما تناولها أنيس بطريقته الفكاهية.
ورد على مصطفى الشكعة بعد إصداره كتابًا عن زيارة له إلى اليمن.
وكانت كلماته الصارخة بحق الكاتب محمد علي الشهاري تكاد تخرج الشهاري من جادة العقل؛ لفعل كان يفعله الجاوي فيه كتابة، دون أن يحرك الحزب الحاكم ساكنًا للانتصار لكبير منظريه.
وعندما قربتنا الأيام من الجاوي، وتعددت لقاءاتنا في موسكو، وعندما لم يعد لـ(الحكمة) وهجها السابق في ظل الممنوع إعلاميًا في الشطرين، وأصبحت الديمقراطية تباع في سوق الملح، كان وهج الجاوي يسطع من جديد باعتباره أبرز المعارضين. وكان همه أن تجد (الأيام) في عهدها الجديد مكانتها السابقة التي بلغتها بجهد واجتهاد المؤسس الكبير محمد علي باشراحيل -رحمه الله- في ستينيات القرن الماضي.
كتب في صفحتها الأخيرة إلى جانب أبوبكر السقاف والقرشي عبدالرحيم سلام وسعيد عولقي.
وكان عام الوحدة هو عام احتلال الكويت، وسعيت إليه في يوم الغزو، 2 أغسطس 1990م، فوجدته منكّبًا على الكتابة، حتى إنه لم يلحظ دخولي عليه في غرفته بمقر الاتحاد على ساحل أبين.
تجلى حين رآني، وبدأ يسمعني البيان الذي كتبه تنديدًا بغزوة صدام.
وأعتقد أن بيان الجاوي، بقوة مضامينه، كان الأول على الإطلاق مما صدر ضد النظام العراقي تعبيرًا من حزب سياسي في اليمن أو خارجها، حتى من الكويتيين أنفسهم.
حملت البيان بكل عزم إلى السفارة الكويتية، التي كانت ما تزال في خور مكسر، وسلمت البيان للقائمين عليها يدًا بيد قبل ظهر ذلك اليوم المشؤوم.
وكنت قد طلبت منه التدخل صباح ذلك اليوم لإخراج أبناء العم أحمد السقاف من الكويت: المهندس أسامة وعائلته، والسيدة ميسون أخته. فاتصل سريعًا بوزير الخارجية عبدالكريم الإرياني، الذي بدوره اتصل بالسفير باعباد، الذي قام بما يجب تجاه المهندس أسامة وأخرجه مع عائلته إلى (حفر الباطن) السعودية، أما أخته فاختارت البقاء في دارها.
ولأن عمك انتصر -يقول الجاوي- بتثبيت مقر المربد في بغداد، ولحنقي الشديد منه قلت له: إن ابن أخيك هشام يكتب عندي في (الحكمة) أفضل منك. فابتسم وقال: يشرفني ذلك.
إلى أن جاء الغزو العراقي للكويت، ووصل السقاف على رأس الوفد الشعبي الكويتي إلى صنعاء، في محاولة لتغيير الموقف الرسمي الداعم لصدام وتقصي الموقف الشعبي.
يقول الجاوي: هناك من اتصل بي لحضور مأدبة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر للوفد، فتعمدت أن أحضر للمقيل متأخرًا بعض الوقت.
دخلت المجلس، وكان السقاف بجوار الشيخ الأحمر في صدارة المجلس، وما إن لمحني حتى نهض واقفًا، في ما يشبه الخطيب، وهو يثني عليَّ ويقول للشيخ الأحمر: هذا أشرف الرجال، وأصر أن أجلس بجانبه وأنا في ذروة الخجل.
كان لصفته الدبلوماسية فائدة كبرى في إدخال مثل هذه المؤلفات التي كانت من الممنوعات في الجنوب.
تعرفت بفضله باكرًا على أنيس منصور ونجيب محفوظ ومحمد أحمد خلف الله ومحمد عمارة.. إلخ، ومن الكويت: خليفة الوقيان وعبدالله حسين وعبدالرزاق البصير وخالد سعود الزيد والمشاري والعدساني.. إلخ.
وحتى في الأدب العالمي تعرفت على الإسباني (سرفانتس) مؤلف الرواية العالمية (دون كيشوت).
وبدأت الصحبة المثقفة من حولي تنقاد للأفكار القومية العربية، ونتداول بسرية ما يبعثه السقاف من شعر أو مقالات أو كتب، وكأنها الحبل السري الذي يغذينا بالأفكار العروبية بعيدًا عن أيديولوجية الحاكمين في عدن.
بالنسبة لي، كان الجاوي حاضرًا بيساريته الوطنية، وبسطوع مقدرته على التحدي للدفاع عن أفكاره. كان يدهشنا وهو يعنف يوسف السباعي في مقالته الشهيرة: (مدد يا سباعي مدد)، عندما دعا السباعي ممثلين عن وزارة الثقافة في صنعاء لحضور مؤتمر الأدباء والكتاب في آسيا وإفريقيا في القاهرة، متجاوزًا اتحاد الأدباء والكتاب في اليمن.
وفي يوم فوجئت بمقالة للأستاذ أحمد السقاف في (العربي) عن مشاركته في مؤتمر اتحاد الأدباء والكتاب العرب في بغداد رئيسًا لوفد أدباء الكويت، عندما عرج على مناقشات الحاضرين في القضايا الفكرية المختلفة، وخص الجاوي بعبارات من نوع: (رأي غريب نسمعه من رئيس وفد اليمن)، عندما تساءل الجاوي: كيف يستطيع بلد متخلف مثل اليمن أن يلحق بركب الشعر الحديث؟
طبعًا كان السقاف في طليعة شعراء القصيدة الكلاسيكية العمودية أو الخليلية، وتناول بالنقد القاسي أحيانًا شعراء قصيدة النثر.
وتساءل السقاف بشكل مقصود: كيف فات الجاوي، وهو المثقف اللبيب والواعي، أن طاغور شاعر الهند العظيم ظهر في فترة انحطاط الهند، وأن المتنبي العظيم ظهر في عصر سيطرة الأتراك والمماليك على زمام الخلافة العباسية؟
وقال السقاف: ألم يصل إلى سمع الجاوي ما حازته قصيدة البردوني من قصب السبق في مهرجان أبي تمام بالموصل، وهي من الشعر الكلاسيكي، ومن أبياتها:
ماذا ترى يا أبا تمام هل كذبت
أحسابنا أم تناسى عرقه الذهبُ
عروبة اليوم أخرى لا ينم على
وجودها اسمٌ ولا لونٌ ولا لقبُ
تسعون ألفًا لعمورية اتقدوا
وللمنجم قالوا إننا الشهبُ
قيل انتظار قطاف الكرم ما انتظروا
نضجًا وقد عُصر الزيتون والعنبُ.
وكان رد الجاوي في (الحكمة) قاسيًا، ربما للتعويض عن محدودية (الحكمة) مقارنة بمجلة ضخمة كـ(العربي).
كانت افتتاحيات (الحكمة) تكثيفًا لغويًا لانتقاد النظام في صنعاء وعدن، لكن مقالات الجاوي الطويلة في المجلة كانت تذهب إلى المسائل الفكرية غالبًا؛ كأن يرد على الكاتب الكبير أنيس منصور، على خلفية كتابه: (اليمن.. ذلك المجهول)، وتناوله بالنقد ردًا على بعض الأوصاف الكاريكاتورية للشخصية اليمنية كما تناولها أنيس بطريقته الفكاهية.
ورد على مصطفى الشكعة بعد إصداره كتابًا عن زيارة له إلى اليمن.
وكانت كلماته الصارخة بحق الكاتب محمد علي الشهاري تكاد تخرج الشهاري من جادة العقل؛ لفعل كان يفعله الجاوي فيه كتابة، دون أن يحرك الحزب الحاكم ساكنًا للانتصار لكبير منظريه.
وعندما قربتنا الأيام من الجاوي، وتعددت لقاءاتنا في موسكو، وعندما لم يعد لـ(الحكمة) وهجها السابق في ظل الممنوع إعلاميًا في الشطرين، وأصبحت الديمقراطية تباع في سوق الملح، كان وهج الجاوي يسطع من جديد باعتباره أبرز المعارضين. وكان همه أن تجد (الأيام) في عهدها الجديد مكانتها السابقة التي بلغتها بجهد واجتهاد المؤسس الكبير محمد علي باشراحيل -رحمه الله- في ستينيات القرن الماضي.
كتب في صفحتها الأخيرة إلى جانب أبوبكر السقاف والقرشي عبدالرحيم سلام وسعيد عولقي.
وكان عام الوحدة هو عام احتلال الكويت، وسعيت إليه في يوم الغزو، 2 أغسطس 1990م، فوجدته منكّبًا على الكتابة، حتى إنه لم يلحظ دخولي عليه في غرفته بمقر الاتحاد على ساحل أبين.
تجلى حين رآني، وبدأ يسمعني البيان الذي كتبه تنديدًا بغزوة صدام.
وأعتقد أن بيان الجاوي، بقوة مضامينه، كان الأول على الإطلاق مما صدر ضد النظام العراقي تعبيرًا من حزب سياسي في اليمن أو خارجها، حتى من الكويتيين أنفسهم.
حملت البيان بكل عزم إلى السفارة الكويتية، التي كانت ما تزال في خور مكسر، وسلمت البيان للقائمين عليها يدًا بيد قبل ظهر ذلك اليوم المشؤوم.
وكنت قد طلبت منه التدخل صباح ذلك اليوم لإخراج أبناء العم أحمد السقاف من الكويت: المهندس أسامة وعائلته، والسيدة ميسون أخته. فاتصل سريعًا بوزير الخارجية عبدالكريم الإرياني، الذي بدوره اتصل بالسفير باعباد، الذي قام بما يجب تجاه المهندس أسامة وأخرجه مع عائلته إلى (حفر الباطن) السعودية، أما أخته فاختارت البقاء في دارها.
أتذكر، في ليلة موسكوفية قارسة البرودة، عندما شرع الجاوي يحدثني عن معاركه مع الأستاذ أحمد السقاف في أروقة اتحاد الأدباء والكتاب العرب، قال: كانت معركة حول مقر المربد الشعري، وكان السقاف ضاغطًا على أن يكون في بغداد، بينما كنت، ومعي بعض الاتحادات اليسارية، نريده في بلد مقر الاتحاد، سورية.
وكانت مواجهتنا عنيفة إلى حد بعيد، كما كان يفعل بعض أهل الوهط -وكلاهما، الجاوي والسقاف، منها- في يوم مطير، عندما يتشاجرون على مجاري المطر وتسريب المياه بعيدًا عن بيوتهم الطينية.
ولأن عمك انتصر -يقول الجاوي- بتثبيت مقر المربد في بغداد، ولحنقي الشديد منه قلت له: إن ابن أخيك هشام يكتب عندي في (الحكمة) أفضل منك. فابتسم وقال: يشرفني ذلك.
إلى أن جاء الغزو العراقي للكويت، ووصل السقاف على رأس الوفد الشعبي الكويتي إلى صنعاء، في محاولة لتغيير الموقف الرسمي الداعم لصدام وتقصي الموقف الشعبي.
يقول الجاوي: هناك من اتصل بي لحضور مأدبة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر للوفد، فتعمدت أن أحضر للمقيل متأخرًا بعض الوقت.
دخلت المجلس، وكان السقاف بجوار الشيخ الأحمر في صدارة المجلس، وما إن لمحني حتى نهض واقفًا، في ما يشبه الخطيب، وهو يثني عليَّ ويقول للشيخ الأحمر: هذا أشرف الرجال، وأصر أن أجلس بجانبه وأنا في ذروة الخجل.



















