​في لحظات الأزمات العميقة، لا تكشف الشعوب فقط عن نقاط ضعفها، بل تكشف النخب عن حدود قدرتها على الاعتراف. وحين تعجز هذه النخب عن مواجهة إخفاقاتها، فإنها تلجأ إلى آلية مألوفة: البحث عن آخر تُلقي عليه اللوم. في علم النفس، يُعرف هذا السلوك بـ"الإسقاط"  وهو ما يبدو اليوم حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي والإعلامي اليمني.

المفارقة أن هذا الخطاب لا يحاول فهم الأزمة بقدر ما يسعى للهروب منها، عبر توجيه أصابع الاتهام نحو شعب الجنوب، الذي أصبح، في نظر كثيرين، سببًا لكل ما تعثّر، بدل أن يكون مرآة تعكس خللًا أعمق.

لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى الجذر. فإنقلاب سبتمبر 1962، رغم رمزيته، لم يتحول إلى مشروع تغيير شامل يمس بنية السلطة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. بقيت القوى التقليدية حاضرة في قلب النظام الجديد، وأُفرغت الجمهورية من مضمونها تدريجيًا، لتتحول إلى إطار شكلي أكثر منها تحولًا حقيقيًا.

هذا الخلل البنيوي لم يُعالج، بل استمر وتراكم، حتى جاء مشروع الوحدة عام 1990 محمّلًا بآمال كبيرة، لكنه سرعان ما انزلق إلى نفس المنطق القديم: منطق الهيمنة بدل الشراكة. وكانت حرب 1994 لحظة كاشفة، إذ كرّست واقعًا قائمًا على الغلبة، وأعادت تعريف الوحدة باعتبارها إلحاقًا لا اندماجًا.

من هنا، لا يبدو الحراك الجنوبي ظاهرة طارئة أو معزولة، بل تعبيرًا سياسيًا عن تراكم طويل من الإقصاء والتهميش. غير أن هذا التفسير يغيب عمدًا في خطاب كثير من النخب، التي تفضّل تقديم الجنوب كأزمة، بدل النظر إليه كنتيجة.

اليوم، تواجه هذه النخب سجلًا ثقيلًا من الإخفاقات: عجز عن بناء دولة مستقرة، فشل في إدارة التعدد السياسي، وانقسام مزمن، يقابله عجز واضح عن مواجهة جماعة الحوثي، التي تمكنت من فرض نفسها كقوة أمر واقع.

في هذا السياق، يصبح الجنوب عنصر إزعاج، لا لأنه المشكلة، بل لأنه يطرح سؤالًا محرجًا: لماذا قبل اليمنيون بما يرفضه الآخرون؟ ولماذا يستمر الفشل دون مراجعة؟

بدل مواجهة هذا السؤال، يتجه الخطاب نحو التشويه: الجنوب يُقدّم كمشروع تفكيكي، أو كأداة خارجية، أو كخطر على الوحدة الوطنية المزعومة. وهكذا، يُعاد إنتاج الأزمة عبر تحويل الضحية إلى متهم، وتبرئة الذات من أي مسؤولية.

اللافت أن هذا النمط من الخطاب لا يواجه بنقد داخلي جاد. فالمجال العام يضيق بأي صوت مختلف، حيث تُقابل المراجعة بالاتهام، ويُقدَّم النقد بوصفه خيانة. كما أن استمرار الأزمة خلق مصالح متشابكة تجعل من حلها تهديدًا لمن يستفيدون من بقائها.

إلى جانب ذلك، يغيب الإطار الفكري القادر على إنتاج نقد ذاتي حقيقي، في ظل بيئة لم تتشكل فيها تقاليد راسخة للمحاسبة. ومع تصاعد الحرب، يُستخدم منطق الضرورة لتبرير إسكات أي صوت ناقد، بحجة الحفاظ على الجبهة الداخلية.

لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا أن الحوثي نفسه ليس استثناءً طارئًا، بل امتداد مشدد لنفس البنية التي فشلت النخب في تفكيكها عند إسقاط الإمامة، إنه إعادة إنتاج أكثر عنفًا لنظام قديم، ما يعني أن مواجهته لا يمكن أن تكون فعالة دون مراجعة جذرية لهذا الإرث.

في المحصلة، لا تبدو الأزمة اليمنية مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل أزمة وعي قبل ذلك أزمة نخبة لم تستطع، أو لم ترغب، في مساءلة نفسها. وبينما تنشغل هذه النخب بتوجيه النقد نحو الجنوب، فإنها تترك فراغًا حقيقيًا في مواجهة التحدي الأكبر.

ربما لا تبدأ أي مراجعة حقيقية بخطابات كبيرة، بل بسؤال بسيط ومباشر منهم: ماذا فعلنا نحن؟