حين خلق الله الإنسان من طين، لم يكن الطين مجرد مادةٍ أولى لتكوين الجسد، بل كان رسالةً عميقةً تختصر حقيقة وجودنا.
فالطين يمتاز باللين قبل أن يتصلّب، وبالقدرة على التشكّل قبل أن يجف، وبالاحتفاظ ببذور الحياة في داخله. ومن هنا تبدأ حكاية الإنسان: مخلوقٌ خُلق ليَنمو، لا ليتحجّر، وليبني، لا ليهدم، وليتحاور، لا ليخاصم.
إننا أبناء أرضٍ واحدة، مهما اختلفت ألواننا ولهجاتنا ومعتقداتنا. نحمل في أرواحنا شيئًا من خصائص الأرض نفسها؛ فإذا سُقينا بالمحبة أثمرنا، وإذا أحاطتنا القسوة تشقّقنا كما تتشقق التربة العطشى. ولذلك فإن أعظم مسؤولية إنسانية ليست أن نعيش فوق الأرض فقط، بل أن نبني الأرض بالوعي والسلام والعمل الصالح.
لكن بناء الأرض لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل يبدأ بعجن الأفكار. تمامًا كما يحتاج الطين إلى الماء ليصبح صالحًا للتشكيل، تحتاج العقول إلى الحوار كي تصبح قادرة على الفهم والتعايش. فالفكرة حين تبقى جامدة تتحول إلى جدار، أما حين تدخل في حوار صادق فإنها تتحول إلى جسر.
لقد أتعب العالمَ اليومَ ذلك الجفاف الفكري الذي جعل كثيرًا من الناس يظنون أن الاختلاف معركة، وأن الرأي الآخر تهديد، وأن التعايش تنازل. بينما الحقيقة أن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر، وأن الأفكار حين تتلاقى تُنضج بعضها بعضًا كما تنضج السنابل تحت شمسٍ واحدة.
والتعايش الحقيقي لا يبدأ في المؤتمرات الكبرى، بل يبدأ على مائدة الطعام داخل الأسرة. يبدأ حين يصغي الأب لأبنائه دون سخرية، وحين تحاور الأم أبناءها بمحبة لا بخوف، وحين يتعلم الطفل أن اختلاف أخيه ليس سببًا للخصام بل فرصة للفهم. فالأسرة هي المدرسة الأولى للإنسانية؛ إن سادها الاحترام خرج منها أفراد يحملون السلام إلى المجتمع، وإن سادها القمع خرج منها أفراد يبحثون عن معارك في كل مكان.
إن العالم ليس مربعًا له زوايا نختبئ فيها من بعضنا البعض، بل هو كرويٌّ واسع، ندور جميعًا فوق سطحه ذاته، ونتقاسم هواءه وماءه ومستقبله.
ولذلك لم يعد ممكنًا أن يعيش إنسان منعزلًا خلف أسوار التعصب والكراهية، لأن كل فكرة مظلمة تُطلق في زاوية ما، يصل دخانها إلى الجميع.
إن التعصب ليس قوة، بل نتوءٌ خشن في العقل والروح. والحوار الصادق هو الأداة التي تصقل تلك النتوءات حتى يصبح الإنسان أكثر إنسانية. فحين نجلس معًا، نستمع لبعضنا، ونبحث عمّا يجمعنا بدل ما يفرقنا، تبدأ أرواحنا بالتهذيب كما تُهذَّب الحجارة في يد النحّات.
نحن بحاجة إلى حلول عظيمة، لكنها في جوهرها بسيطة: أن نُربي أبناءنا على السؤال لا على الخوف. وأن نستبدل لغة الإلغاء بلغة الفهم. وأن نمنح الأسرة وقتًا للحوار بدل أن تسرق الشاشات أرواحنا.
أن نتعلم الإصغاء كما نتعلم الكلام. أن ندرك أن كرامة الإنسان لا ترتبط بدينه أو لونه أو قوميته، بل بقدرته على المحبة والبناء. فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تزدهر بالصراخ، ولا يحميها التعصب.
الأوطان تُبنى بقلوب تعرف أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الأرض تتسع للجميع كما تتسع السماء لكل الطيور.
ودمتم سالمين



















