​من الملاحظ في الخطاب السياسي الجنوبي أن كثيراً من القيادات، سواء ممن تولّوا المسؤولية في مراحل سابقة أو من الوجوه السياسية التي برزت في السنوات الأخيرة، وكذلك النشطاء والصحفيون، يحرصون في كل حديث أو مقابلة أو منشور على استدعاء أخطاء الماضي، والتأكيد على أن تلك الأخطاء هي التي أوصلت الجنوب إلى ما هو عليه اليوم.

لا شك أن الاعتراف بالأخطاء يمثل خطوة مهمة في مسار المراجعة والتصحيح، وهو سلوك صحي حين يكون الهدف منه استخلاص الدروس وتفادي تكرارها. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتراف إلى حالة دائمة من جلد الذات، وإلى خطاب يكرر الإخفاقات أكثر مما يستحضر فرص النهوض. عندها يصبح الحديث عن الماضي عبئاً يستهلك الطاقات، ويزرع الإحباط، ويبعث برسائل سلبية إلى الأجيال الجديدة.

الشعوب التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تبنِ مستقبلها على اجترار أخطاء الأمس، بل على قدرتها على التعلم منها والانطلاق بثقة نحو الغد. ومن المفيد للجنوبيين أن يتأملوا في تجارب الآخرين، وفي مقدمتهم الدول التي استطاعت التعامل مع ماضيها بواقعية وهدوء، فحافظت على تماسكها، ووجّهت جهودها نحو تحقيق أهدافها بدلاً من البقاء أسرى للتجارب السابقة.

ولنا في قوى الشمال مثال واضح؛ فعلى الرغم مما شهدته من صراعات وخلافات في الماضي والحاضر، فإنها لا تنشغل كثيراً بجلد الذات، بل تبدو أكثر ثباتاً وحكمة في التعامل مع الواقع، والسعي إلى إيجاد حلول ممكنة تجمعها أكثر مما تفرقها.

إن استمرار جلد الذات لا يفتح أبواب المراجعة بقدر ما يفتح أبواب الإحباط والتشكيك، ويعيد إنتاج الخلافات القديمة، ويشغل الأجيال الصاعدة بالتنقيب في الماضي بدلاً من الانخراط في صناعة المستقبل. كما أنه يضعف الروح المعنوية، ويقيد القدرة على التفكير الإيجابي، في وقت يحتاج فيه الجنوب إلى عقول منفتحة، وأدوات حديثة، وأساليب عمل تتناسب مع حساسية المرحلة ودقتها.

لقد آن الأوان لأن يتحول الخطاب الجنوبي من لغة اللوم إلى لغة البناء، ومن استحضار الانقسامات إلى تعزيز الثقة، ومن التركيز على ما حدث بالأمس إلى العمل الجاد من أجل ما ينبغي أن يتحقق غداً. فالمستقبل لا يصنعه من يجلد ذاته باستمرار، بل من يتعلم من أخطائه، ويتجاوزها، ويواصل السير بثبات نحو أهدافه الكبرى.

وفي الختام، فإن من يمتلك حلولاً ومبادرات قادرة على إخراج الجنوبيين من مأزقهم الراهن، عليه أن يتقدم بها بروح إيجابية ومسؤولة، بدلاً من الانشغال بتحليل محاولات الآخرين التي لم يُكتب لها النجاح. أما الاستمرار في جلد الذات، دون تقديم بدائل عملية، فقد يُفهم على أنه استنزاف للطاقات وإضعاف للمعنويات، وهو ما يصبّ ـ بقصد أو من دون قصد ـ في مصلحة الخصوم الذين يسعون إلى إرباك الصف الجنوبي وتعطيل تقدمه.