> واشنطن "الأيام" العرب اللندنية:

​تبدو حرب إيران، بكل امتداداتها الإقليمية وتداخلاتها الدولية، أقرب إلى نهايتها دون أن يتمكن أي طرف من إعلان نصر واضح أو فرض إرادته بشكل كامل على الآخرين.

ولا تعني هذه النتيجة انتهاء الصراع بقدر ما تعني دخوله مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، تتسم بما يمكن وصفه بـ"التوازن الهش"، حيث تتراجع احتمالات الحسم لصالح إدارة طويلة الأمد للأزمة ضمن حدود الردع المتبادل وتوازن الخسائر.

وعلى مدى أشهر من المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تنجح العمليات العسكرية ولا الضغوط الاقتصادية ولا التصعيد السياسي في إنتاج تسوية نهائية.

ورغم أن الحرب أعادت رسم بعض ملامح ميزان القوى في الشرق الأوسط، فإنها لم تُنتج منتصرا قادرا على تحويل مكاسبه الجزئية إلى واقع استراتيجي مستقر.

ونجحت الولايات المتحدة، التي دخلت الصراع بهدف منع توسع النفوذ الإيراني واحتواء تهديداته الإقليمية، في إدارة التصعيد ومنع انزلاقه إلى حرب شاملة تهدد الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة وممرات الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز. لكنها في المقابل لم تتمكن من فرض تسوية سياسية أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالشكل الذي يعكس تفوقها العسكري والاقتصادي.

وقد اتبعت واشنطن مقاربة تقوم على المزج بين القوة والدبلوماسية، مع إبقاء الضغط العسكري والاقتصادي على طهران كأداة تفاوضية. غير أن هذا النهج كشف حدود القدرة الأميركية على فرض "نهاية حاسمة" للصراعات المعقدة، في ظل عالم دولي أكثر تشتتا وتعددية في مراكز القوة، مقارنة بفترات سابقة كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما حدث في بداية الألفية.

وحققت إسرائيل بدورها تقدما ميدانيا ملحوظا، خصوصا في استهداف شبكات النفوذ الإيرانية في عدد من الساحات الإقليمية، من لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا.

وقد أظهرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تفوقا تكتيكيا واضحا في عدد من الجبهات، ونجحت في إضعاف قدرات بعض الفصائل المرتبطة بإيران، لا سيما في لبنان حيث تكبد حزب الله خسائر كبيرة خلال جولات التصعيد الأخيرة.

لكن هذا التفوق لم يتحول إلى إنجاز استراتيجي حاسم. فغياب القدرة على تحقيق حسم بري مباشر تجاه إيران، إضافة إلى استمرار البنية الإقليمية لشبكات النفوذ الإيراني رغم الضربات، جعل النتائج النهائية محدودة الأثر.

كما أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تجد نفسها في مواجهة معادلة استنزاف طويلة الأمد لا توفر مخرجا نهائيا واضحا، وهو ما يعكس فجوة بين القوة العسكرية والقدرة على إنتاج استقرار سياسي دائم.

وفي المقابل، خرجت إيران من الحرب بحالة يمكن وصفها بـ"البقاء تحت الضغط". فهي لم تحقق انتصارا عسكريا، لكنها في الوقت نفسه لم تنهَر تحت وطأة الضربات والعقوبات والضغوط المتعددة.

وقد اعتمدت طهران على استراتيجية تقوم على امتصاص الصدمات، وإدارة التصعيد بشكل مدروس، وتجنب الدخول في مواجهة شاملة مباشرة مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها الإقليمي.

ولا يمكن اعتبار هذا "الصمود" الإيراني انتصارا بالمعنى التقليدي، بل هو شكل من أشكال البقاء الاستراتيجي في بيئة عدائية. فإيران اليوم ليست في موقع قوة يسمح لها بفرض شروطها، لكنها أيضا ليست في موقع ضعف يسمح بإقصائها من المعادلة الإقليمية.

وبهذا المعنى، أصبحت الحرب جزءا من بنية الدولة الإيرانية نفسها، لا مجرد أزمة خارجية يمكن تجاوزها بسهولة.

وأما أوروبا، فقد لعبت دورا اقتصاديا أكثر منه سياسيا أو عسكريا. فبينما تأثرت بشكل مباشر باضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع الاستقرار المالي، بقي تأثيرها في مسار الحرب محدودا.

وعكست الأزمة مجددا اعتماد أوروبا على استقرار الشرق الأوسط في مجال الطاقة والملاحة، مقابل عجزها عن التدخل الفاعل في إدارة الصراع أو إعادة توجيه مساره.

وكشف هذا التناقض بين الاعتماد البنيوي على المنطقة وضعف القدرة على التأثير فيها حدود الدور الأوروبي في النظام الدولي الحالي، حيث أصبحت أوروبا أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الخارجية دون امتلاك أدوات حقيقية لتشكيل نتائجها.

وفي السياق ذاته، برزت الصين كأحد أبرز المستفيدين غير المباشرين من الحرب، رغم تعرضها لبعض الاضطرابات في إمدادات الطاقة. فقد استفادت بكين من تنوع مصادرها الاستراتيجية واحتياطاتها النفطية، ما سمح لها بامتصاص جزء كبير من الصدمات.

كما أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منح الصين مساحة أوسع للتحرك في آسيا والمحيط الهادئ، سواء على المستوى الاقتصادي أو الجيوسياسي.

لكن هذا "الاستفادة النسبية" لا تعني أن الصين كانت رابحة بالكامل، إذ إن اضطراب أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد أثرا أيضا على الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه الصين بشكل كبير.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يعكس تعزيز موقعها النسبي في ظل انشغال الغرب بأزمات متعددة.

وأما دول الخليج، فقد وجدت نفسها في موقع بالغ الحساسية، كونها تقع في قلب منطقة الصراع دون أن تكون طرفا مباشرا فيه. وقد أظهرت هذه الدول قدرا من المرونة الاستراتيجية عبر تنويع مسارات تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.

ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بأن الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية لم يعد كافيا في بيئة إقليمية شديدة التقلب. ومع ذلك، فإن دول الخليج تمكنت إلى حد كبير من تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، والحفاظ على استقرارها الاقتصادي النسبي رغم التوترات.

ومع انحسار المواجهة المباشرة دون الوصول إلى تسوية شاملة، يتضح أن ما بعد حرب إيران لا يشبه ما قبلها. فالنظام الإقليمي لم يعد قائما على موازين قوة مستقرة أو قواعد واضحة، بل على شبكة معقدة من الردع المتبادل وإدارة الأزمات. لا يوجد منتصر قادر على فرض شروطه، ولا مهزوم قادر على تغيير المعادلة بالكامل.

ويعني هذا الواقع الجديد أن الشرق الأوسط دخل مرحلة “التوازن الهش”، حيث تصبح الاستمرارية أهم من الحسم، وإدارة المخاطر أكثر أهمية من تحقيق الانتصار.

فكل الأطراف خرجت من الحرب وهي تحمل مزيجا من المكاسب الجزئية والخسائر المؤجلة: الولايات المتحدة تدير الصراع دون حسمه، إسرائيل تحقق مكاسب دون استقرار، إيران تنجو لكنها تضعف، أوروبا تتأثر دون تأثير، والصين تستفيد نسبيا دون أن تكون بمنأى عن الاضطراب.

وفي المحصلة، فإن نهاية حرب إيران دون منتصر لا تمثل خاتمة لصراع، بل بداية لمرحلة جديدة من النظام الدولي، تتسم بتراجع فكرة "النصر الكامل" لصالح منطق "إدارة الاستنزاف".

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي الذي يواجه جميع الأطراف ليس من انتصر في الحرب، بل من يستطيع تحمل كلفتها على المدى الطويل دون الانزلاق إلى جولة جديدة من التصعيد.