رادةُ «الأيام» أن يهتدي صاحبها الأستاذ الكبير محمد علي باشراحيل - رحمه الله - بالموهبة الفذة لا بالتعليم، إلى «الخبر» الصحفي عمادًا أساسيًا للصحيفة.

الخبر بفكرة الاستقبال أولًا، ثم بإعادة نشره ثانيًا، بعد تخليصه من الشوائب أو الحشو، مع الحفاظ على مضمونه وعدم تحويره لصالح أو ضد. وهنا تكمن المهنية العالية والالتزام بشرف المهنة.

وأفردت الصحيفة مساحة للرأي، سواء في عهد الأب المؤسس أو في عهدها الثاني على يد الثنائي هشام - رحمه الله - وتمام محمد علي باشراحيل - أطال الله في عمره.

عندما سنحت لي الفرصة لقراءة كتابات الباشراحيل الكبير 1958 - 1967م، أيقنت جيدًا أن الرجل كان في عين العاصفة، خاصة في سنوات الثورة من 1963 - 1967م، ومن قبل ذلك بالانتصار للثورة التي أطاحت بالإمامة عام 1962م في الشمال. أما انحيازه لحركة التحرير العربي التي يقودها الزعيم جمال عبدالناصر، فقد كان واضحًا وضوح الشمس.

أما داره التي كانت ملتقى لكل زعامات عدن والجنوب، فهي تذكير وعود على بدء بما أصبحت عليه الدار - التي أسميتها بدار أبي سفيان: «من دخلها كان آمنًا» - على عهد هشام وتمام مطلع هذه الألفية، وتحديدًا في فترة الحراك الجنوبي الذي كان للصحيفة وأهلها نصيب الأسد في إشعاله.

أيام الباشراحيل الأب، أيام الكفاح المسلح، أُلقيت قنبلتان على دار الباشراحيل. كانتا إنذارًا لما هو آتٍ، حيث سيرتقي الوطني الجنوبي شأوًا عاليًا عندما يكون مناضلًا لاستقلال وطنه، وينحدر حتى قاع الرذيلة حين يجعل من نفسه محورًا وما عداه تابعًا.

ولعل فرقعة القنبلتين أهون مما تعرضت له دار «الأيام» على يد الحكم المُباد. هذه المرة كانت معركة حقيقية يقودها عسكر النظام ضد أفراد مسالمين ينتمون إلى عدن، أرقى مدنية ومدينية في منطقة الجزيرة برمتها.

وكأن الأب المؤسس قد زرع في نجليه ألّا حياد في قضايا الوطن، ولذلك جاءت الأحداث في عهد «الأيام» الثاني باتباع الأساليب التي برع فيها نظام احتلال الجنوب في 1994/7/7م، من الإغراءات والترغيب والوعود على طريقة المعز لدين الله الفاطمي، ثم الضرب من تحت الحزام بافتعال مشكلة دار الباشراحيل في صنعاء، وتلفيق تهمة باطلة، ومحاصرة الدار وأهلها شهورًا.

أما ما بدأ النظام به مبكرًا، فهو حشد أصحاب المجامر ممن جُبلوا على التسول والنفاق في بلاط الحاكم، ولفت انتباهه إلى أنهم جاهزون لأداء المهمة حتى قبل أن تُسند إليهم، مثل أرباب صحيفة «الرأي العام» وأحمد الصوفي وسواه، ناهيك عن جوقة الصحف المفقسة مثل «الشموع» و«أخبار اليوم» و«الأمناء»..

ومن داخل المعاناة الشديدة يلتمس المرء المتابع مدى ما تعرضت له هذه الأسرة العريقة - أسرة الباشراحيل - من ظلم بسبب مواقفها الوطنية، واستنهاضها القوى الجنوبية، وإخراجها من حالة «الصدمة» التي خلفها احتلال الجنوب في 1994/7/7م، إلى فعل المبادأة النضالية بالحراك الجنوبي السلمي، ليس من وراء مكاتب تحرير الصحيفة، وإنما بالتواصل اليومي بالشخصيات الجنوبية المؤثرة داخل الدار وخارجها. فهشام - رغم متاعبه الصحية - مستعد للذهاب إلى خارج عدن والاجتماع بأبناء هذه المنطقة أو تلك من أصحاب التأثير، ووضعهم أمام مسؤولياتهم الوطنية.

ولم يتورع تمام باشراحيل عن بعث مقالة مثيرة له من واشنطن، أثناء زيارة عمل للولايات المتحدة، معنونة بـ«جنوبي انفصالي في قاعة الكونجرس»، لتثير الذعر والحنق في أوساط المنتشين بالنصر الذي يشبه الهزيمة على الجنوب.

وقد وظف الأستاذ تمام باشراحيل وجود تمثال لجنرال من جنوب الولايات المتحدة ممن حاربوا للانفصال عن ولايات الشمال 1861 - 1865م، ليبدو ذلك وكأن الأمر مقصود به جنوبنا.

هذه القصة تذكرنا بـ«مانشيت» صحيفة «الفضول» التي يحررها الشاعر والأديب عبدالله عبدالوهاب نعمان «الفضول»، كما جاء هكذا: «انقلاب عسكري في اليمن»، ومضمونه سقوط عسكري من على حماره في عقبة مفرح بتعز.

أتذكر أنني رافقت الأستاذ هشام يومًا إلى الجليلة بالضالع، حيث استضافنا أحد المناضلين من أبناء سكرة الكرام، وتقاطرت ثلة مختارة من العسكريين والمدنيين؛ أذكر منهم اللواء علي مثنى هادي، ليكون محور الحديث الخروج من حالة التيه والصمت والخوف إلى مرحلة نضالية لاستعادة الدولة. وخرج هشام من اللقاء متفائلًا بالتغيير عندما تكون الضالع حاضرة بقوة.

وكانت «الأيام» من الجرأة بحيث نشرت سلسلة مقالات د. أبوبكر السقاف «جناية الوحدويين الاندماجيين.. وفتح الجنوب»، وهي مقالات عابرة لحاجز الخوف بمراحل، وأطارت نشوة النصر من رؤوس أصحابها، ولكن الثمن كان باهظًا على الصحيفة وأهلها وعلى الكاتب الكبير.

في بداية إصدار «الأيام» كتبت من موسكو مقالتين: «جمال عبدالناصر» و«مجلة العربي»، ونشرتهما «الأيام» في صفحة «الأدب الجديد» التي يحررها صالح الصائلي، وكانت مخيلتي ترسم له صورة وكأنه بقية باقية من زملاء الأب المؤسس، وعندما عدت من موسكو عام 1997م وجدت شابًا لبيبًا أديبًا يزاملني - أيضًا - في الجامعة، رحمه الله.

كانت كتاباتي تلقى طريقها للنشر دون أن ألتقي بالثنائي المثير هشام وتمام، لكنني تسللت ذات ليلة إلى ديوان «الأيام» في صنعاء وجلست دون كلام أستمع لجدل حامٍ بين عبدالرحمن أحمد نعمان ونجيب قحطان الشعبي، وهناك هشام في صدارة المجلس، والسفير الكويتي، وأبوبكر السقاف، ومحمد سعيد باشرين، وعبده حسين أحمد.. إلخ.

ارتاب البعض مني، ولما أفصحت عن شخصي ردًا على سؤال عبده حسين: «كركر جمل»، أحاطني الجميع بالاهتمام، بينما أبوبكر السقاف يضحك لأنه الوحيد الذي كان يعرفني.

أما في عدن فقد كنت أكتفي بتسليم مقالاتي للإخوان في الاستقبال ثم أُولي عائدًا من حيث أتيت، إلى أن لحقني أحد حراس الدار بأمر من تمام، واقتادني إليه، لتبدأ من يومها رحلة التعلق بالصحيفة وأهلها وبدار أبي سفيان كما أسميتها.

هل تتكرر تجربة علي ومصطفى أمين في القاهرة، بدار «أخبار اليوم»، في عدن بـ«الأيام» وبالأخوين هشام وتمام باشراحيل؟ ومن قبلهما المؤسس الأب محمد علي باشراحيل؟ مع فارق في المضامين.

أظن - وليس كل الظن إثمًا - أن «الأيام» تتفوق من حيث الزمان، ومن حيث المعارك التي خاضتها، والظلم الذي وقع عليها، ورغم ذلك تخرج من كل تلك النيران بسلام آمنين.

ويكفيها فخرًا أن الجيل الثالث من أبناء الباشراحيل: باشراحيل وهاني ومحمد هشام باشراحيل، يمضون - تحت رعاية عمهم الأستاذ تمام - أطال الله في عمره - على ذات الخط الصحفي الذي اختطه الأب المؤسس محمد علي باشراحيل قبل 68 عامًا، بمزايا المهنية العالية وشرف الكلمة والمصداقية.