​لم يعد الحديث عن الدولار الجمركي في اليمن مجرد نقاش اقتصادي يتعلق بالإيرادات أو الرسوم أو حركة الاستيراد بل تحول مع مرور الوقت إلى قضية قانونية ودستورية تمس جوهر العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية وحدود المشروعية داخل الدولة نفسها
فما بدأ عام 2023م بدعوى إدارية أمام المحكمة الإدارية بعدن انتهى اليوم إلى مشهد أكثر تعقيدا تتداخل فيه الأحكام القضائية مع القرارات الحكومية ومع الامتناع غير المعلن عن تنفيذ حكم صادر عن محكمة وطنية مختصة نوعيا
في عام 2023م أصدرت الحكومة اليمنية عبر مجلس الوزراء والمجلس الاقتصادي الأعلى قرارات برفع سعر الدولار الجمركي وتحريك تعرفة بعض الخدمات العامة المرتبطة بحياة المواطنين وفي مقدمتها الكهرباء والمياه
حينها لم يكن الاعتراض على القرار مجرد اعتراض سياسي أو اقتصادي بل كان اعتراضا قانونيا ودستوريا بالدرجة الأولى لأن القرار حمل المواطنين أعباء مالية واسعة دون أن يستند إلى إطار تشريعي صادر عن السلطة المختصة دستوريا بفرض الضرائب والرسوم والأعباء العامة
وفي ذلك السياق رفعت دعوى إدارية أمام المحكمة الإدارية بعدن من قبل عدد من المحامين والحقوقيين طعنا في القرار الحكومي استنادا إلى عدة دفوع قانونية تمثلت في مخالفة الدستور وتجاوز الاختصاص والانحراف في استعمال السلطة وفرض أعباء مالية دون قانون إضافة إلى مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات..وقد انطلقت الدعوى من قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن الإدارة مهما اتسعت صلاحياتها لا تستطيع إنشاء التزامات مالية عامة أو فرض أعباء على المواطنين إلا في الحدود التي رسمها الدستور والقانون..وكان جوهر النزاع يتمثل في أن مجلس الوزراء والمجلس الاقتصادي الأعلى لا يملكان الحلول محل السلطة التشريعية في فرض آثار مالية تمس المجتمع بصورة مباشرة..لاحقا أصدرت المحكمة الإدارية بعدن حكما بإلغاء القرار الحكومي المتعلق برفع الدولار الجمركي باعتباره مخالفا للدستور والقانون..ذلك الحكم لم يكن مجرد رأي قانوني عابر بل كان عنوانا لمبدأ دستوري مهم يتمثل في خضوع الإدارة لرقابة القضاء وخضوع السلطة التنفيذية للقانون..فالأصل في الدولة القانونية أن الأحكام القضائية النهائية واجبة الاحترام والتنفيذ وأن الإدارة لا تملك تعطيلها أو الالتفاف عليها أو إعادة إنتاج مضمون القرار الملغى بصورة أخرى..غير أن ما جرى بعد الحكم كشف عن واحدة من أخطر أزمات المشروعية في الواقع اليمني..فالحكومة لم تتجه بصورة واضحة إلى تنفيذ الحكم أو إزالة الأسباب القانونية والدستورية التي أدت إلى إلغاء القرار بل بدا المشهد وكأن الحكم تم تجميده عمليا دون إعلان صريح برفضه..ومع مرور الوقت تحولت القضية إلى حالة من الامتناع غير المعلن عن تنفيذ حكم قضائي صادر عن محكمة وطنية مختصة..وهنا تظهر خطورة المسألة لأن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية لا يمثل مجرد مخالفة إجرائية بل يمثل اعتداء مباشرا على مبدأ سيادة القانون وعلى فكرة الدولة القانونية نفسها..فالقضاء الإداري حين يصدر حكما بإلغاء قرار إداري فإن ذلك يعني أن القرار فقد مشروعيته القانونية وأصبح من الواجب على الإدارة احترام آثار الحكم لا التحايل عليه أو إعادة إنتاجه لاحقا
لكن بعد نحو ثلاثة أعوام عادت الحكومة اليمنية مجددا إلى واجهة الدولار الجمركي عبر قرارات جديدة صدرت عام 2026م تحت مبررات تعزيز الإيرادات وتوحيد الأوعية الإيرادية ومعالجة الاختلالات الاقتصادية..وهنا عاد السؤال القديم بصورة أكثر حدة..هل أزالت الحكومة الأسباب القانونية والدستورية التي استند إليها حكم الإلغاء السابق
أم أنها أعادت إنتاج القرار ذاته بصياغة جديدة بينما بقيت ذات العيوب الدستورية والإدارية قائمة..فالقرارات الإدارية لا تقاس بعناوينها أو مسمياتها بل بحقيقتها وآثارها القانونية والواقعية
وإذا كانت النتيجة النهائية للقرار الجديد هي فرض أعباء مالية إضافية على المجتمع بذات الآلية السابقة فإن ذلك يفتح الباب مجددا للحديث عن حجية الحكم القضائي وعن مدى احترام السلطة التنفيذية للأحكام الصادرة ضدها
كما أن المسألة تصبح أكثر تعقيدا حين ترتبط بواقع مالي وإداري مضطرب تعيشه الدولة نفسها..فالحكومة تتحدث اليوم عن الحاجة إلى زيادة الإيرادات بينما لا تزال هناك محافظات وجهات نافذة لا تقوم بتوريد كامل إيراداتها إلى البنك المركزي كما أن موارد سيادية عديدة ما تزال خارج الدورة المالية الرسمية..وهنا يثور سؤال قانوني ومنطقي شديد الأهمية..كيف يجوز تحميل المواطن والتاجر والمستورد أعباء مالية إضافية بينما لا تزال الدولة عاجزة عن إخضاع كامل مواردها وإيراداتها للمنظومة الرسمية..وهذا ما يجعل الدفع بالانحراف في استعمال السلطة حاضرا بقوة في هذا الملف..فالسلطة التنفيذية حين تلجأ بصورة متكررة إلى تحميل المجتمع كلفة العجز المالي دون القيام بإصلاحات حقيقية فـــي بنـــية الإيرادات و الإنفاق فإن ذلك قد يكشف عن استعمال للسلطة المالية في غير الغاية التي وجدت من أجلها..وفي الفقه الإداري يعد الانحراف بالسلطة من أخطر عيوب القرار الإداري لأنه يتعلق بالبواعث الحقيقية للإدارة و بالغاية الفعلية من القرار..فإذا كانت الإدارة تستخدم سلطتها لمعالجة العجز بأسهل الطرق عبر زيادة الأعباء على المجتمع مع بقاء الاختلالات البنيوية قائمة فإن القرار يصبح محل شك قانوني وإداري و دستوري..واليوم يبدو المشهد و كأن القرار الإداري أصبح أقوى من الحكم القضائي..فالحكومة عادت إلى الدولار الجمركي بينما بقي حكم المحكمة الإدارية معلقا في الواقع العملي دون تنفيذ حقيقي..وهنا تتجسد فجوة المشروعية بصورة واضحة
فالقضية لم تعد تتعلق بسعر الدولار الجمركي فقط بل أصبحت تتعلق بمكانة القضاء نفسه و بمدى إلزامية الأحكام القضائية و بحدود السلطة التنفيذية في مواجهة مبدأ سيادة القانون..لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة هو أن يتحول الحكم القضائي إلى مجرد وثيقة أرشيفية بينما يصبح القرار الإداري هو صاحب النفاذ الفعلي ولو كان قد سبق إلغاؤه قضائيا..وفي العمق فإن أزمة الدولار الجمركي تكشف عن صراع أوسع بين منطق الدولة القانونية ومنطق الدولة الإيرادية..دولة تقوم على خضوع السلطة للقانون واحترام القضاء..ودولة تبحث عن الإيرادات حتى وإن أدى ذلك إلى إعادة إنتاج قرارات سبق أن سقطت أمام القضاء الإداري..ومن هنا فإن المعالجة الحقيقية لهذا الملف لا يمكن أن تقوم فقط على رفع الإيرادات أو تعديل التعرفة الجمركية بل يجب أن تبدأ أولا بإعادة الاعتبار لمبدأ المشروعية واحترام الأحكام القضائية وبناء سياسة مالية عادلة تقوم على إصلاح مؤسسات الدولة وضبط مواردها قبل تحميل المجتمع أعباء جديدة كلما تفاقمت الأزمة المالية للدولة..وفي امتداد هذا المشهد تتجلى إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة إنتاج القرار العام ذاته في ظل غياب الانضباط الصارم لمبدأ المشروعية وتراجع الاعتداد العملي بحجية الأحكام القضائية إذ يبدو أن بعض القرارات التي تصدر في سياق معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية لا تنطلق من مرجعية قانونية مستقرة بقدر ما تنطلق من منطق الاستجابة الآنية للأزمة دون التحقق الكافي من اتساقها مع الدستور والقانون والأحكام القضائية النهائية وهو ما يخلق حالة من الاضطراب في البناء القانوني للدولة ويضعف الثقة في استقرار القاعدة القانونية واستمراريتها وفي هذا الإطار يمكن فهم هذا التكرار في إصدار القرارات غير المنضبطة بضوابط القضاء والتشريع على أنه سلوك تراكمي يؤدي إلى إضعاف تدريجي لبنية الدولة القانونية وإرباك وظائفها الحيوية بشكل متصاعد حيث تتوسع آثار القرار الإداري بصورة غير منضبطة لتطال مختلف مفاصل الحياة العامة دون أن تجد في المقابل مرجعية قضائية نافذة يتم احترامها بصورة كاملة ومنتظمة وهو ما يشبه في أثره التراكمي حالة انتشار خلل مؤسسي سريع داخل الجسد الإداري للدولة بما يفضي إلى تعطيل توازناته الأساسية ويؤكد في النهاية أن غياب الالتزام الصارم بالمشروعية لا يؤدي فقط إلى نزاع قانوني حول قرار بعينه بل إلى اهتزاز شامل في مفهوم الدولة القانونية ذاتها وهو ما يجعل إعادة الاعتبار لحجية الأحكام القضائية وإخضاع القرار الإداري لمرجعيتها أمرا جوهريا لا يمكن تجاوزه في أي مسار إصلاحي جاد يعيد التوازن بين السلطة والحق ويضمن عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة في إدارة الشأن العام