​بحزنٍ وأسى، يشوبهما ربما شيءٌ من الحسرة والحيرة، يودّع اليمن اليوم فقيده الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، الرجل الذي حمل عبء الدولة في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وتعقيدًا وإيلامًا في تاريخ اليمن الحديث.

سيختلف الناس، بلا شك، في تقييم تجربته السياسية، كما يختلفون دائمًا حول القادة الذين حكموا في أزمنة الانكسار لا في أزمنة الاستقرار. غير أنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف بثقل المسؤولية التي وُضعت على كتفيه، في لحظةٍ كانت فيها الدولة اليمنية تتداعى تحت وطأة الحرب والانقسام والانهيار المؤسسي والتجاذبات الإقليمية والدولية العاصفة.

عرفت الرئيس هادي لأول مرة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين جاء إلى لندن للعلاج الطبي بينما كنت لا أزال طالبًا هناك. ثم تقاطعت مساراتنا مجددًا بصورة أوثق بعد أن أصبح نائبًا للرئيس في منتصف التسعينيات، حيث شاركته في عدد من الأنشطة الرسمية للدولة في صنعاء. غير أنّ أعمق فصول علاقتي به بدأت بعد توليه الرئاسة عام 2012، خصوصًا خلال الأشهر الطويلة والمضنية لمداولات مؤتمر الحوار الوطني في 2013–2014، وهي المرحلة التي مثّلت ربما آخر المحاولات الكبرى لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والشراكة الوطنية في اليمن.

أولئك الذين لم يعيشوا تلك المرحلة قد لا يدركون تمامًا حجم الضغوط والتناقضات والعواصف التي كانت تحاصر اليمن آنذاك: دولة هشة، ومشهد سياسي متشظٍ، ومخاوف إقليمية متصاعدة، ومجتمع يقف على حافة التمزق.

ومع ذلك، ظل الرئيس هادي يبحث — بهدوء أحيانًا وبإصرار أحيانًا أخرى — عن مخرجٍ يحول دون انهيار اليمن الكامل. ويُحسب له، ولِمؤتمر الحوار الوطني، أنهما رسّخا — ولو وسط العواصف — مبدأ الدولة الاتحادية القائمة على الندية والمناصفة والشراكة بين الشمال والجنوب، وهي الفكرة التي أخذت تتجذر تدريجيًا في الحياة السياسية اليمنية، حتى باتت بعض ملامحها حاضرة اليوم في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة وبقية مفاصل السلطة.

وفي تلك السنوات العصيبة، كنت كثيرًا ما أصفه بـ«الفارس اليمني الحالم».

ليس لأنه كان ساذجًا أو غافلًا عن قسوة الواقع، بل لأنه ظل، رغم كل شيء، مؤمنًا بأن اليمن يمكن أن يُعاد بناؤه عبر الحوار لا الإلغاء، وعبر التسوية الدستورية لا الحرب المفتوحة، وعبر الشراكة لا الهيمنة.

ومن أكثر اللحظات رسوخًا في ذاكرتي موقفه خلال مؤتمر الحوار الوطني من قضية عدن، حين دعم بقوة مطلب العدنيين في منح المدينة أساسًا دستوريًا يعيد لمدينة عدن سلطاتها التاريخية التشريعية والقضائية والتنفيذية المستقلة في إطار الدولة الاتحادية اليمنية القادمة.

لقد كان يدرك أن عدن لم تكن مجرد مدينة، بل فكرة؛ فكرة الانفتاح والتوازن والتعددية والدولة الحديثة. وكان يفهم أن الأوطان لا يمكن أن تستقر طويلًا عبر الإنكار أو المركزية المفرطة أو فرض الغلبة، بل عبر شعور مكوناتها بأنها مرئية ومحفوظة داخل البنية الدستورية للدولة نفسها.

وأتذكر كذلك مرافقتي له خلال زيارته التاريخية إلى سقطرى عام 2017 أثناء عملي وزيرًا للسياحة، حين تبنى توصيتي المتعلقة بالرؤية التنموية المستقبلية للجزيرة، وأعلن في خطابه التاريخي «إعلان الأجواء المفتوحة» لسقطرى خلال احتفال الذكرى الثالثة لمنحها صفة المحافظة الكاملة. وحتى وسط الحرب، ظل يتحدث عن التنمية والانفتاح والسياحة وآفاق اليمن المستقبلية، وكأنه كان يحاول الإبقاء على شيء من صورة الدولة الطبيعية فيما كانت البلاد تنزلق نحو المزيد من الفوضى.

وطوال سنوات عملي معه، لم ألمس منه إلا التشجيع والود والدعم الصادق. وكان يصف أفكاري، مازحًا بلطف، بأنها «رؤى حالم في بيئة تُجهض الأحلام». وربما تختصر تلك العبارة، بكل مرارتها، مأساة مرحلة كاملة من تاريخ اليمن المعاصر.

لم يكن الرئيس هادي رجل شعارات صاخبة أو استعراضات سياسية أو نزعات أيديولوجية حادة. لقد انتمى إلى جيلٍ سياسي تشكل على الصبر والتدرج والحذر والانضباط العسكري، وربما كانت هذه الطبيعة نفسها مصدر قوته وضعفه في آنٍ معًا؛ فقد ساعدته على تحمّل العواصف، لكنها جعلته أيضًا يواجه قوى لم تعد تؤمن أصلًا بالحدود أو التوازنات أو منطق الدولة.

وربما تكون مأساة بعض القادة أنهم لا يفشلون لأنهم بلا أحلام، بل لأنهم يحاولون حماية الأحلام في بيئاتٍ صُممت لسحقها.

اليوم، وبينما يودّع اليمن أحد أكثر رؤسائه الانتقاليين تأثيرًا وإثارةً للجدل، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا فوق حاضر اليمن ومستقبله:

هل يستطيع اليمن يومًا أن يستعيد الدولة المدنية العادلة والمتصالحة التي حلم بها كثيرون؟

رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي.

ورحم اليمن الذي كاد أن يفقد ليس دولته فقط، بل حلمه أيضًا.

خالص العزاء وعظيم المواساة إلى جميع أفراد أسرته الكريمة، وإلى كل أهله ومحبيه، وإلى كل من آمن يومًا بأن اليمن، رغم كل انكساراته، لا يزال يستحق الحلم… ويستحق الدولة.