​الواقعية السياسية تفرض اليوم على الشرق الأوسط قراءة مختلفة تمامًا لما يجري مع إيران، بعيدًا عن الضجيج الأيديولوجي والخطابات العاطفية التي سيطرت على المنطقة لعقود طويلة.

فالمقارنة بين اتفاق باراك أوباما مع طهران عام 2015، وما يدفع به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 2026، ليست مجرد مقارنة بين إدارتين أميركيتين، وإنما بين مرحلتين تاريخيتين مختلفتين في شكل الشرق الأوسط نفسه وفي طبيعة موازين القوة داخله.

في 2015 كانت إيران تتحرك بعقل المنتصر؛ بغداد تدور بالكامل داخل المدار الإيراني، دمشق تحت حماية الحرس الثوري والميليشيات العابرة للحدود، حسن نصرالله يتحدث من بيروت باعتباره القوة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشرق العربي، الحوثيون يسيطرون على صنعاء، والولايات المتحدة نفسها تبحث عن ترتيب يخفف التوتر مع طهران لا عن كسر مشروعها الإقليمي.

ولهذا خرج الاتفاق النووي يومها باعتباره عملية إدارة أزمة أكثر من كونه مشروعا لإعادة صياغة المنطقة.

أما اليوم فالصورة مختلفة جذريا. حتى عندما ذهبت إيران إلى تهديد الملاحة واختطاف مضيق هرمز، فإنها كانت تعيد إنتاج العقلية نفسها التي حكمت الثورة الإيرانية منذ لحظتها الأولى عام 1979، عندما اختطف الخميني الرهائن الأميركيين داخل السفارة الأميركية في طهران. هذه هي منهجية الإسلام السياسي حين يدخل التفاوض: التفاوض يجب أن يجري دائمًا تحت فوهات البنادق، أو عبر الرهائن، أو من خلال صناعة الفوضى والضغط الأمني والنفسي على العالم.

لكن إيران تواجه اليوم معادلة لم تعتد عليها في تاريخ صراعاتها الطويل؛ التفاوض هذه المرة يجري تحت تحليق الطائرات الشبحية الأميركية والإسرائيلية، وتحت شعور متزايد داخل النظام نفسه بأن هامش المناورة لم يعد كما كان.

الرئيس العراقي صدام حسين إحدى أهم التجارب الكبرى التي تعاملت مع إيران بالقسوة. حرب استمرت ثمانية أعوام أفقدت الإيرانيين مليون مقاتل، وأرغمت الخميني على إعلان تجرّعه كأس سُمّ الهزيمة. وتُعدّ حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران من أهم محطات التاريخ التي تؤكد أن الإيرانيين، بنسختهم الخمينية، يعرفون الخسارة والاستسلام أمام القوة. انتصر صدام حسين بعد أن أصبحت المآتم في كل بيت إيراني.

ها هي طهران تعود إلى لحظة مشابهة، لكن بصورة أكثر تعقيدًا وأشد قسوة. حرب الـ12 يومًا ثم حرب الـ39 يومًا لم تسقط النظام الإيراني، لكنها كسرت شيئًا بالغ الحساسية في رأس المشروع نفسه. للمرة الأولى منذ 1979، بدأ يتسلل شعور داخل أوساط المؤيدين لفكرة “ولاية الفقيه” بأن النظام ليس محصنًا كما جرى تصويره لعقود، وأن تصفية علي خامنئي هتكت في الفقه الشيعي مقدسًا من المقدسات.

فلقد قتل نائب الإمام الغائب، الذي يُفترض بحسب الرواية أنه صاحب الزمان، فكيف لم يستطع أن يحمي وليّه من القتل؟ بلا جدال، حدث انتهاك قاسٍ للرواية المقدسة لعقود مضت.

هذا التحول النفسي أخطر من العقوبات الاقتصادية ومن الضربات العسكرية نفسها. الأمر يشبه إلى حد بعيد ما حدث لتنظيم القاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن؛ التنظيم لم يختفِ فورًا، لكن صورة “القائد الذي لا يُهزم” انهارت، ومعها بدأت الفكرة تفقد جزءًا كبيرًا من هالتها وقدرتها على التعبئة والتمدد.

كل ما جرى خلال السنوات الأخيرة عمّق هذا الشعور داخل المحور الإيراني. حسن نصرالله نفسه قُتل في لبنان، نظام بشار الأسد الذي كان يمثل القلب الجغرافي للمشروع الإيراني في سوريا تحطم، حكومة الحوثيين في شمال اليمن تعرضت لضربة مدمرة أطاحت بنيتها القيادية خلال دقيقة، وفي العراق تُبنى قواعد عسكرية بالقرب من الفصائل الولائية نفسها، في رسالة واضحة بأن النفوذ الإيراني لم يعد يتحرك بحرية مطلقة كما كان يحدث قبل سنوات.

هذه ليست أمنيات سياسية أو دعاية إعلامية، وإنما حقائق ميدانية تعكس تحولًا فعليًا في موازين القوة داخل المنطقة. ومن هنا يصبح الفارق بين أوباما وترامب شديد الأهمية؛ أوباما أراد احتواء إيران وإدارة التوتر معها، أما ترامب فيسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالكامل.

الرجل لا يتحدث فقط عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإنما عن إعادة المنطقة إلى المسار الذي كان قائمًا قبل 7 أكتوبر 2023، حين كان قطار الاتفاقيات الإبراهيمية يقترب من المحطة السعودية – الإسرائيلية، قبل أن تدفع إيران بحماس لتنفيذ الهجوم الذي قلب المنطقة والعالم رأسًا على عقب.

إيران فهمت خطورة هذا التحول جيدًا، ولهذا دفعت بحماس نحو تنفيذ عملية 7 أكتوبر لتعطيل المسار بالكامل. كانت طهران تدرك أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في إسرائيل وحدها، وإنما في ولادة شرق أوسط جديد يقوم على منطق الدولة والمصالح والاستقرار، لا على شعارات “المقاومة الدائمة” والميليشيات العابرة للحدود.

لكن المفارقة أن الحرب، رغم كل الدماء والانهيارات، أكدت شيئًا بالغ الأهمية: أن الاتفاقيات الإبراهيمية صمدت. معاهدات السلام بين مصر والأردن وإسرائيل بقيت ثابتة، الإمارات والبحرين والمغرب لم تتراجع تحت ضغط خطاب جماعة الإخوان، حتى السعودية، رغم تجميد المسار مؤقتًا، لم تغلق الباب نهائيًا.

الغليان الشعبوي لم يتحول إلى مشروع سياسي قادر على إسقاط مسار السلام، وهذا يكشف تحولًا عميقًا داخل المنطقة نفسها. الشرق الأوسط الذي كان يُدار بالكامل بمنطق الأيديولوجيا والثورة والسلاح بدأ يتحرك تدريجيًا وفق منطق الدولة والمصلحة والاستقرار.

ولهذا يبدو ترامب مدركًا أن لحظة إعادة القطار إلى سكته القديمة قد حانت من جديد، لكن بصورة أكثر جرأة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وإنما ببناء نظام إقليمي جديد تُجبر فيه إيران نفسها على القبول بقواعد اللعبة الجديدة، لا البقاء خارجها وهي ترفع شعارات الثورة الدائمة.

قد ينجح ترامب، وقد يفشل، لكن ما لا يمكن تجاهله أن الشرق الأوسط نفسه تغيّر، والأهم أن المشروع الإيراني لم يعد يتحرك من موقع الصعود الذي كان عليه قبل عقد من الزمن، وإنما من موقع يحاول فيه منع الانكسار الكامل لصورة القوة التي بناها منذ 1979.
عن "العرب اللندنية"