الجنوب اليوم لا يعيش مجرد أزمة سياسية عابرة، بل دخل مرحلة جديدة بالكامل؛ مرحلة ضبابية لا أحد يعرف أين حدودها ولا كيف ستكون نهايتها — الله لا يسامح من كان السبب. أصبح المواطن الجنوبي يستيقظ كل صباح وهو غير قادر على فهم المشهد الذي يتغير أسرع من قدرته على الاستيعاب، وكأن الجميع أصبح يركض داخل دوامة لا يعرف أحد من أين بدأت ولا إلى أين ستنتهي.
لسنوات طويلة كان هناك، على الأقل، وضوح نسبي في الاتجاه العام، أو حلم جامع يلتف الناس حوله مهما اختلفوا في التفاصيل. أما اليوم، فيبدو المشهد وكأن الجميع فقد البوصلة دفعة واحدة. دخلنا منطقة رمادية مرهقة، لا تحمل يقين الدولة ولا حماس المشروع.
المشكلة أن هذا الارتباك تسلل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فأي حادثة جنائية تتحول فورًا إلى معركة سياسية، وأي مناسبة دينية تصبح اختبار ولاءات، وأي ذكرى وطنية تتحول إلى ساحة اشتباك إلكتروني واجتماعي. حتى الناس لم تعد تختلف على الحدث نفسه، بل على طريقة الاختلاف حوله، وكأن المجتمع دخل مرحلة انقسام نفسي قبل أن يكون سياسيًا.
وعندما حلّ 21 و22 مايو، ظهرت الأزمة بشكل أوضح من أي وقت مضى. يومان فقط كانا كافيين لكشف حجم التشظي داخل الشارع الجنوبي. شعارات متضاربة، مواقف مرتبكة، حساسيات متراكمة، وناس تبحث عن أي خطاب يمنحها شعورًا بالانتماء وسط هذا الضياع السياسي الكبير.
الأخطر من كل ذلك أن هذا التشظي المصطنع يحدث بينما هناك شمال مترقب يتابع المشهد بصمت ودهشة، وربما بشيء من الشماتة السياسية.
الجميع يراقب جنوبًا يستهلك نفسه بنفسه، بينما مواقع التواصل الاجتماعي مشتعلة بالمنشورات “الأرضية والجوية والبحرية”، وكل طرف يعتقد أنه يخوض معركة تحرير إلكترونية، فيما يزداد الواقع تعقيدًا يومًا بعد يوم.
القادم لن يكون سهلًا على الجنوبيين أبدًا. خمسة أشهر فقط كانت صادمة بأحداثها ونتائجها، والله المستعان.
لسنوات طويلة كان هناك، على الأقل، وضوح نسبي في الاتجاه العام، أو حلم جامع يلتف الناس حوله مهما اختلفوا في التفاصيل. أما اليوم، فيبدو المشهد وكأن الجميع فقد البوصلة دفعة واحدة. دخلنا منطقة رمادية مرهقة، لا تحمل يقين الدولة ولا حماس المشروع.
المشكلة أن هذا الارتباك تسلل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فأي حادثة جنائية تتحول فورًا إلى معركة سياسية، وأي مناسبة دينية تصبح اختبار ولاءات، وأي ذكرى وطنية تتحول إلى ساحة اشتباك إلكتروني واجتماعي. حتى الناس لم تعد تختلف على الحدث نفسه، بل على طريقة الاختلاف حوله، وكأن المجتمع دخل مرحلة انقسام نفسي قبل أن يكون سياسيًا.
في رمضان اختلطت السياسة بالروحانيات، ثم يأتي العيد فتبدأ المعركة المعتادة: من صلى مع من؟ ومن يتبع أي جهة؟ ومن يسيطر على أي مصلى؟ وكأن الناس ذاهبة إلى استعراض نفوذ لا إلى صلاة عيد.
أما بعد العيد، فتدخل بعض المناطق الريفية في موسم استدعاء التاريخ، فتظهر زيارات السلاطين والمشايخ والرموز القديمة، وتعود الألقاب التي غابت لعقود، ليس بدافع الحنين وحده، بل لأن المشهد كله مرتبك، ولأن الناس بدأت تبحث عن أي هوية أو مرجعية تستند إليها وسط هذا الضباب السياسي.
وعندما حلّ 21 و22 مايو، ظهرت الأزمة بشكل أوضح من أي وقت مضى. يومان فقط كانا كافيين لكشف حجم التشظي داخل الشارع الجنوبي. شعارات متضاربة، مواقف مرتبكة، حساسيات متراكمة، وناس تبحث عن أي خطاب يمنحها شعورًا بالانتماء وسط هذا الضياع السياسي الكبير.
الأخطر من كل ذلك أن هذا التشظي المصطنع يحدث بينما هناك شمال مترقب يتابع المشهد بصمت ودهشة، وربما بشيء من الشماتة السياسية.
الجميع يراقب جنوبًا يستهلك نفسه بنفسه، بينما مواقع التواصل الاجتماعي مشتعلة بالمنشورات “الأرضية والجوية والبحرية”، وكل طرف يعتقد أنه يخوض معركة تحرير إلكترونية، فيما يزداد الواقع تعقيدًا يومًا بعد يوم.
القادم لن يكون سهلًا على الجنوبيين أبدًا. خمسة أشهر فقط كانت صادمة بأحداثها ونتائجها، والله المستعان.



















